فرسان المعبد على مسرح الأحداث

تابع الجزء الأول هوية فرسان المعبد والماسون    

كان هدف أولئك الذين انضموا إلى الحرب الصليبية الأولى هو غزو القدس وقد نفدوا هناك مجازر حقيقية وأثناء عودتهم من هناك إلى أوروبا تخلف العديد من الجنود الذين شاركوا في هذه الحرب الصليبية تحت قيادة بعض الأرستقراطيين والجنود الفرنسيين بعد أن قرروا الإقامة في المنطقة

.
.

صورة زيتية تظهر احتلال القدس من قبل التمبلار

ظاهرياً كان الحافز على بقائهم هو القيام على خدمة الحجاج المسيحيين الذين يرغبون في التوجه إلى الأراضي المقدسة وحفظ أمنهم إضافة إلى نشر المسيحية وبالرغم من أنه من الممكن أن يكون هذا هو الهدف الذي كان يتبناه حفنة من الرهبان والجنود المثاليون إلا أننا عندما نتأمل في مخطط الاحتلال بشكل عام نجد أن هذا لم يكن سوى ستاراً للهدف الحقيقي

وكما أسلفنا من قبل بدأ الاحتلال الغربي للمنطقة مع الحرب الصليبية الأولى وترافق هذا مع بداية المشاكل بين بعض الغربيين والمسلمين أصحاب المكان والتي استمرت نتائجها حتى اليوم

 لم تكن الأسباب التي يبديها الصليبيون لمجازرهم التي ارتكبوها في حروبهم الصليبية مقنعة على الإطلاق لأن طرق حج المسيحيين إلى الأرض المقدسة كانت مفتوحة ومؤمنة  تحت سيطرة المسلمين وكان سكان القدس يعيشون فيها بسلام  وتسامح على اختلاف دياناتهم إلا أن هذه الحقيقة لم تكن لتمنع الصليبيين من ذبح المسلمين واليهود وحتى المسيحيين في تلك البلاد

تأسست مملكة القدس عام 1099 وانتشر الاحتلال حتى أنطاكية و بعد عشرين عاماًً وتحت قيادة هوغو باينز قدّم تسعة من الفرسان الفرنسيين أنفسهم أمام الملك بالدوين الثاني الذي حكم القدس على أنهم افتراضياً متطوعون لحماية الحجاج على طرق السفر بين القدس وشاطئ المتوسط

.
.


تسعة من الفرسان الفرنسيين يقودهم السيد الأعظم للتمبلارز
هوغو دو بايين يظهرون أمام الملك بالدوين

   كلمة المساكين التي وردت في العنوان جنود المسيح المساكين التي أطلقها هؤلاء الجنود التسعة على أنفسهم  كانت مخالفة لحقيقتهم كانوا نهمين جشعين  للمال لا حدود لنهمهم ولم يكن لقبهم سوى ستاراً يخدعون الناس من وراءه إلا أنهم لم يكونوا يمارسون الخداع من خلال أسمائهم فحسب لم يغفل هؤلاء عن خلق نموذج من الجنود الرهبان  الذين تركوا وراءهم متع الحياة الدنيا والأمل في الكسب المادي وفي جميع الأحوال كان هؤلاء الفرسان كما سنرى في المواضيع القادمة مستعدين للتحول إلى تنظيم مادي معاكس تماماً للتنظيم الديني وقيمه العالية بل حتى معادي للدين

.
.

 صورة صغيرة تظهر السيد الأعظم للتمبلارز
هوغو دو بايين وهؤلاء الفرسان التسعة 

قدم الملك بالدوين الثاني ملك القدس للفرسان عدداً من الامتيازات وأقطعهم الأرض التي أقيم عليها معبد سليمان في يوم من الأيام بما فيها جبل المعبد وهو المكان الذي يقوم فيه اليوم المسجد الأقصى

لا شك أن الملك بالدوين كان لديه ترتيبه الخاص حيث كانت مملكته في القدس تحت التهديد مع زيادة في نفوذ المسلمين في المنطقة لذلك كان وجود الفرسان المتمرسين وحراستهم لأمكنة مقدسة خاصة مفيد لمملكته ومع ذلك كان عدد فرسان المعبد قليلاً جداً وهذا ما جعل الملك بالدوين  والسيد الأعظم لفرسان المعبد هوغو دو باييز يزيدون من عددهم

وفي النهاية ومع بداية دعم الباباوية مُنح فرسان المعبد كل ما يريدونه ففي عام 1127 طلب اثنان من فرسان المعبد مع رسالة تلقياها من الملك بالدوين نصيحة القديس برنارد الذي كان له نفوذ كبيرعلى الباباوية والذي كان يعتبر واحداً من أهم رجال المسيحية في حياته




حظي السنت برنارد باحترام العالم المسيحي بأجمعه

عُرف برنارد كواحد ممن يمكن أن يفتح جميع الأبواب وأحد أعضاء تنظيم سيسترسيان   أحد أفضل التنظيمات الصومعية في المسيحية التي تشغل مناصب على جانب من الأهمية في الكنيسة الكاثوليكية وفد استفاد فرسان المعبد الفرنسيون هؤلاء من دعم برنارد فكانوا يتلقون الكثير من الدعم من تنظيم سيسترسيان  في فرنسا

.
.

برنارد يهب الكثير من الامتيازات لفرسان المعبد

امتدح الملك بالدوين فرسان المعبد في رسالته بشكل مبالغ فيه شارحاً أهمية حماية الأراضي من قبل الجنود المتدينين المساكين وطارحاً مطالبهم فيها أن تعترف الكنيسة بتنظيمهم خاصة من قبل البابا وأن يلقى المساعدة والدعم

كان الدعم الذي طالما انتظره هوغو دوبينز وإخوانه الفرسان في طريقه إليهم بعد أن قبلهم البابا الجديد هونوريوس هو وإخوانه مع منحهم امتيازات خاصة

في عام 1128 حصل الفرسان على الكثير من الفرص ودعماً مالياً كبيراً وكهدية من الملك هنري الأول حصلوا على ثروة كبيرة من الذهب والفضة إضافة إلى دعم مادي تمثل بمعدات مثل الدروع والخيول قدمها لهم حكام انكلترا واسكتلندا وفرنسا وفلندا

وقبل أن يغادر الفارس هوغو دو بينز انكلترا افتتح فرعاً لفرسان المعبد في المنطقة وقدم لهم الهبات وعيّن أحدهم قائداً لهذا الفرع كانت مهمته حكم المقاطعات الموهوبة لفرسان المعبد وتحويل مدخولاتها إلى القدس وتجنيد المزيد من الفرسان وتدريبهم على المسؤوليات الجديدة المناطة بهم ومن ثم إرسالهم إلى المقاطعات المتفرقة التي تقع تحت حكم التمبلارز فرسان المعبد

إضافة إلى ذلك كانت المداخيل الشخصية تمنح لفرسان المعبد من مقاطعات الإمارة واستثني أصحاب الأراضي من الضرائب الملكية وهكذا أصبحت المراحل الأولى من الشبكة قد تمت حياكتها بنجاح
 
 وحسب سجلات الأنغلو ساكسون فإن عدد الأعضاء الذين وظفهم هوغو دوبينز  في التنظيم كان أكبر من عدد الجنود الذين جيّشهم أوربان الثاني في الحروب الصليبية وعلى كل حال فقد استقطب التنظيم الكثير من الاهتمام حتى أن مجموعات من الفرسان تم إنشاؤها في جميع أنحاء إنكلترا كما تم إنشاء فرع لهم في القدس

علاوة على ذلك شكّل الأمراء وكبار الأرستقراطيين الجبهة الأمامية للتنظيم بينما كان العامة من الناس يتسابقون لدعمه والانتساب إليه وحشد فرسان المعبد جميع الامتيازات والتسهيلات البابوية والملكية المتاحة لهم لتوسيع هذه الحملة الدعائية ودعم الشهرة التي اكتسبوها وخطوا خطوات أبعد من التجنيد والدعم في التأثير على المجتمع بكافة مستوياته حتى بلغ نفوذهم الحد الذي أصبح الرجل فيه يوصي عند موته أن يدفن في زي الفرسان المميّز

في الحقيقة كان المفصل الأكثر أهمية هو الخدعة التي مارسها فرسان المعبد على أرستقراطيي أوربا وهي أنهم لن يلبثوا طويلاً حتى يصبحوا على جبهة القتال مع المسلمين وهم بهذا يطلبون دعماً مالياً لحربهم تلك إلا أن الأموال التي جمعوها في هذه الحملة من نبلاء أوربا لم يمولوا فيها حملتهم العسكرية المزعومة وإنما حوّلوها إلى صناديقهم المالية وكانت هذه هي الخطوة الأولى في تكوين ثروتهم غير المشروعة

.
.

يعتبر عام 1127 نقطة تحول في تاريخهم عندما قام اثنان من فرسان المعبد بزيارة البابا برنارد وخلال زيارتهم شرح الفارسان للبابا وللآخرين قواعد تنظيمهم العامة إلا أن معظم الحاضرين لم يكونوا راضين عنها في هذه المرحلة تسلم البابا برنارد مسؤولية الدفاع عن التنظيم مصرحاً أنه مع القليل من التعديلات والإصلاحات يصبح أكثر انسجاماً مع التعاليم المسيحية

بعد هذه الحادثة بفترة وجيزة كتب البابا حكم فرسان المعبد الجديد تبعاً لمبادئ تنظيمه الخاص سيستريسيان  وأعلن أنه سيتحمل مسؤولية التدريب الأخلاقي لفرسان المعبد وهكذا أزال فرسان المعبد جميع العقبات التي كان من الممكن أن تواجههم وذلك بالحصول على امتياز عرض حساباتهم وشروحاتهم للبابا فقط ومنذ تلك اللحظة لم يعد لأي سلطة غير السلطة البابوية الحق في محاسبتهم أو إيكال أي مهمة إليهم وقد ظن البابا مع هذا النوع من الامتيازات أن توظيفها على المدى الطويل سيكون مفيداً في زيادة القوة الباباوية ولكنه في الواقع لم يكن يعلم أنه أسس لأرضية تمثل خطر أعظم