المذهب الاعتقادي الذي ورثته الداروينية عن أبيقور و الخطأ الذي أُضطر معه العلم إلى أن يكون إلحادياً




يحكي بنجامين ولكر و هو مدرس العلوم و التكنولوجيا في جامعة فران سيسكان في كتابه الذي يحمل اسم  الداروينية الأخلاقية لماذا تحولنا إلى أشخاص منغمسين في الملذات الحسية المادية
Moral Darwinism How We Become Hedonists يحكي بالتفصيل كيف أن المفكرين الماديين من المؤيدين لنظرية التطور الداروينية في اليونان القديمة و روما قد أصبحوا نسخة معدلة لفلسفة أبيقور و لوكريتيوس و قد تحدثا عما جاء به داروين فيما بعد من حيث




أن الطبيعة هي ذلك النظام الذي يعمل من تلقاء نفسه وأن ما بين الكائنات الحية من منافسات و معارك حياتية إنما يحدثه التطور الذي يتم بدوره بواسطة الاصطفاء أو الاختيار الطبيعي الفطري

وقد كتبا بالتفصيل في معرض حديثيهما حول الطبيعة و الكائنات الحية عن الأفكار البعيدة عن الحقيقة مثل عدم إعطاء تفسير غائي للأشياء أي أن كل شيء في الطبيعة مقصود منه تحقيق غاية معينة

لم تستند آراء
أبيقور ولا لوكريتيوس على أي أساس علمي فلم يقوما بأي تجارب  ولا ملاحظات علمية كل ما قاموا به هو أنهم وجَّهوا الأمر كله بشكل يتوافق مع رغباتهم هم فقط بل و الأكثر من ذلك أن نشأة هذا المنطق في ذلك الوقت كان غريبا للغاية.

فقد أوضح أبيقور أنه لا يريد أن يقبل بفكرة وجود إله و أن هذه الحقيقة تقترن بالاعتقاد بوجود آخرة لهذا فهو يشعر بأنه مقيد و محاصر وأوضح أنه طوَّر فلسفته كلها حتى يتخلص من هذا الموقف الذي لا يرغب في التسليم به.

أو بقول آخر إن أبيقور اختار لنفسه المذهب الإلحادي لأنه هو الذي سيحقق الراحة النفسية له و اندفع بعد ذلك لتكوين وجهة نظر دنيوية تستند في الأساس على اختياره هذا أيضاً و مع هذا عمل على إيجاد تفسير إلحادي لا يمت إلى الدين بصلة لمواضيع مثل النظام الموجود في الكون و أصل الكائنات الحية و انطلاقا من هذا الهدف تبنى الأفكار الرئيسية للتطور

.



ويعلق بنجامين ولكر الذي شرح بشكل مفصل العلاقة بين أبيقور و داروين التي تناولناها نحن بشكل مقتضب كما يلي :

أن الدارويني الأول لم يكن داروين بل كان أبيقور ذلك اليوناني صاحب السمعة السيئة الذي ولد في عام 341 قبل الميلاد في جزيرة صاموص فهو من أقام الأسس الفلسفية للداروينية لأنه هو من أقام علم الكونيات الكوزمولوجيا المادي الالحادي البعيد عن الدين.

فوفقا لعلم الكونيات هذا فإن التأثير والتأثر العشوائي للمواد الجامدة التي لا حياة فيها لم يكوِّن الأرض فقط بل تسبب أيضا في وجود كل ما عليها من أشكال الحياة التي لا تعد و تحصى و كان ذلك نتيجة لسلسلة من الحوادث التي جرت عن طريق المصادفة في الزمن الأبدي غير المتناهي وهنا لم يستند أبيقور إلى أي دليل أو قرينة وهو يصيغ علم الكونيات بل صاغه معتمدا على فكرة تجريد العالم من فكرة الخالق...

إن النفور الذي شعر به أبيقور نحو الدين ربطه بالحديث لأن الداروينيين العصريين هم ورثة أبيقور أيضاً و في نهاية طريق طويل و متعرج تحول أحد الأشكال المعدَّلة للمادية الأبيقورية الأساس الذي قامت عليه المادية العلمية في يومنا الحاضر

فكان علم الكونيات الذي افترضه داروين في أصل الأنواع و شكل حتى يومنا الحاضر الأساس الفكري لأولئك الذين يغفلون التصاميم الموجودة في الطبيعة (6)

.
.




وليس منطلق الدفاع بإصرار عن نظرية التطور في يومنا الحالي بسبب أنهم متحيزين للعلم و إنما كونهم متحيزين للمذهب الإلحادي أما ارتباطهم بالمذهب الإلحادي فينبع كما هو الحال عن أبيقور و هم أصحاب الفكرة الأصليين في موضوع الصدام بين التسليم بوجود الله و بين ميولهم الأنانية

ويجب أن نوضح هنا أن الله سبحانه وتعالى قد بين في القرآن الكريم موقف المنكرين و الملحدين فالآية رقم 14 من سورة النمل توضح موقف هؤلاء الأشخاص تماماً

( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ
 عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) النمل 14

وتدخل الجماعة الأبيقورية الداروينية التى تنكر وجود الله تعالى ضمن أولئك الأشخاص الذين تحدثت عنهم الآية وعرَّفت بهم والسبب في ذلك أن اعتبار النقاش حول التطور والخلق صدام بين العلم و الدين خديعة كبيرة

إن الخلق و التطور فيه توضيح و تفسير لأصل الكون والكائنات الحية وهما موجودان منذ عصور التاريخ السحيقة  إلا أنه يجب النظر إلى الاستنتاجات العلمية حتى نتمكن من فهم أي من هذين التفسيرين صحيح من الناحية العلمية

و قد اثبتت جميع الاستنتاجات العلمية خطأ نظرية التطور أما حقيقة الخلق فنؤكد مرة أخرى على أنها صحيحة

الخطأ الذي أُضطر معه العلم إلى أن يكون إلحادياً

لا توجد ضرورة لعلم إلحادي أي الاعتقاد بأن الكون هو المادة فقط فالعلم يبحث في كل الاستنتاجات ولا يقبل سوى بالاستنتاجات القاطعة و الصحيحة تماما مهما كان المكان الذي سيقودنا إليه

.
.




و تشير و بوضوح فروع العلم المختلفة اليوم مثل الفيزياء الفلكية و الفيزياء و الأحياء أن تفسير
الكون و الطبيعة بالمصادفات العشوائية شيئ غير منطقي و مستحيل لأن جميع الأدلة والبراهين تدل على وجود خالق و هذا الخالق هو الله الذي خلق السماوات و الأرض و كل شيء بينهما سواء أكان من الأحياء أو من الجمادات وهو وحده صاحب القوة و العقل الأبديين

أما الاعتقاد الذي لا يوجد دليل يبرهن على صحته فهو المذهب الإلحادي الذي تعتبر فيه الدارونية أهم دعامة أساسية فيه واليوم بانهيار الداروينية انهار الإلحاد وسنوضح  ذلك في المقالات المقبلة إن شاء الله





6- Benjamin D. Wiker, " Does Science Point to God ? Part II  The Christian Critics "
 The Crisis Magazine, Temmuz-Ağustos 2003