الضمير هبة الله عز وجل لكل إنسان



إنّ الضمير هو تلك القوة الرّوحية التي تحكم مواقف الإنسان وتفكيره، فتجعله يميز الخطأ من الصّواب، وهو منحة الله عز وجل للإنسان يدلّه من خلالها على ما فيه خيره وصلاحه ومرضاة الله عز وجل· وهذا ما يكسب الضمير صفة العمومية التي هي أحد أهم صفاته، فلا يمكن لحكم الضمير أن يتغير من شخص لآخر مع  أخذ الظروف بعين الاعتبار، ونجد ذلك في قوله تعالى:

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا , فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاَهَا , قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا , وَقَدْ خَاْبَ مَنْ دَسَّاهَا . الشمس: 7 -10 .

في الآيات السابقة يخبرنا الله تعالى أنه ألهم النفس فجورها، و(الفجور: هو الفسق والمعصية وكل ما يمثل انحرافا عن الطريق القويم)، وتقابله التقوى التي تزرع الرهبة في قلب الإنسان، فتجعله يبتعد عن السيئات ويقبل على فعل الحسنات· وكأن التقوى هي الضمير بعينه الذي يجنب الإنسان أفعال السوء ويدله على طريق الخير· إذن، فالضمير هو الذي يجعلنا نعرف الصواب من غير أن يكرهنا أحد على ذلك أو حتى يخبرنا به، فما على الإنسان إلا أن يتبع ما يمليه عليه ضميره، لذلك نستطيع أن نقول: إنّ الضمير هو أساس الدّين وجوهره
.


.
وعلى الإنسان أن يضع في حسبانه أنه حين يستشعر صوت ضميره وذلك منذ اللحظة التي يميز فيها الخطأ من الصّواب، ويستطيع أن يحكم على الأمور، فإنه يكون مسؤولاً ومحاسباً وسوف يسأل عن أفعاله جميعها، فإذا كانت موافقة لضميره فإن الله عز وجلّ سيجزيه عنها حياة الخلد في الجنة· أما إذا تجاهل صوت ضميره وخالفه، فسيلقى عذاب الجحيم خالداً فيه أبداً والعياذ بالله ·
.
إنّ أول ما يقوم به الشخص الذي يتبع ضميره هو أن يسأل ويحاول اكتشاف ما يدور حوله، وإذا كان نافذ البصيرة فإنه يستطيع بسهولة أن يرى أنه يعيش في عالم، بل في كون متكامل· وإذا تأملنا للحظة في محيطنا والظروف التي نعيش فيها، نجد أننا في عالم متناسق ومنظم ومزود بدقائق الأمور· ولنبدأ من جسم الإنسان نفسه، إنّه حقاً نظام مذهل ··· قلب يدق باستمرار ··· بشرة تتجدد ·· رئتان تنقيان الهواء ··· كبد ينقي الدم وملايين من البروتينات تتكون في الخلايا كل ثانية لتضمن استمرار الحياة· ويقضي الإنسان حياته دون أن يشعر بآلاف الفعاليات التي تتم داخل جسمه ولا حتى بطريقة حدوثها ·

وفي الفضاء الفسيح يستقر نجم الشمس بعيداً عن كوكبنا ملايين الأميال؛ ليؤمّن لنا الضّوء والحرارة والطاقة التي نحتاجها، والمسافة التي تفصلنا عنه دقيقة جداً، فليست بعيدة فتتجمد الأرض ولا قريبة فتحرقها ·
.


وإذا نظرنا إلى السّماء وغضضنا البصر عن روعتها وجمالها، فسنجد أنها تحتوي على الغلاف الجوي، تلك الكتلة الهوائية (الستراتوسفير) التي تحمي الأرض والإنسان وجميع الكائنات الحية من الأخطار الخارجية، ولا يمكن لكائن حي واحد أن يبقى على سطح الأرض لولا وجود هذا الغلاف الجوي ·
.

.
إن الإنسان الذي يتأمل ويتفكر في هذه الأمور سيسأل عاجلاً أم آجلاً: كيف أمكن له ولهذا الكون أن يوجدا؟··· وبعد التامل سوف يجد أنّ لسؤاله إجابتين :

الأولى··· تقول: إن هذا الكون بكواكبه ونجومه وكل ما فيه من كائنات حية قد وجد من تلقاء نفسه وبمحض المصادفة، ويدعي أن الذرات العائمة التي هي أصغر وحدة في المادة، قد التقت بالمصادفة فكونت الخلايا والناس والحيوانات والنباتات والنجوم وكل ما يحيط من تراكيب وأنظمة شديدة التعقيد ·
.
والثانية··· تقول: إنه من المستحيل أن يكون هذا الكون قد وجد بمحض المصادفة، وإن هناك خالقاً عظيماً حكيماً وقادراً على كل شيء هو الذي أبدع وخلق وسير هذا الكون، ذلك الخالق هو الله عز وجل ·

ولاختيار أحد التفسيرين علينا العودة إلى ضميرنا لنسأله: هل يمكن للمصادفة أن توجد نظاماً بالغ التعقيد والدقة، وإذا أمكن ذلك فهل يمكن تسييره بهذا الانسجام والاتساق؟ إن أي شخص يستطيع أن يدرك بالعودة إلى ضميره أن لكل شيء خالقاً حكيماً عظيم القدرة، فكل ما حولنا يحمل دليلاً على وجود الله عز وجل ··· التناغم والاتساق في هذا الكون والمخلوقات

أكبر دليل يستطيع أن يدركه الإنسان بشعوره السامي· إنه دليل واضح بسيط وغير قابل للجدل، ولا يمكن للضمير إلا أن يُسلّم أن هذا الخلق هو إبداع الله الذي لا إله إلا هو ·

ولكنّنا قد نجد أن شخصاً لا يصغي إلى صوت ضميره لا يمكن أن يكون بهذا الوعي لأنه لو كان واعياً فلا بد أن يدرك الحقائق من خلال قوة روحية لا يمتلكها إلاّ حين يتبع ضميره ألا وهي الحكمة؛ لأن كل موقف يتخذه الإنسان بناء على حكم ضميره يساعد في تعزيز حكمته· وهنا لا بد من الإشارة إلى تعريف الحكمة فعلى العكس من المفهوم العام تختلف الحكمة عن الذكاء فقد يكون الإنسان على قدر كبير من الذكاء والمعرفة ولكنه يفتقر إلى الحكمة لأنّه لا يصغي إلى ضميره فيتفهم ويدرك الحقائق التي تدور حوله ·

سنطرح مثالاً يظهر بوضوح الفارق بين الذكاء والحكمة التي تتأتى كنتيجة عن تحكيم الضمير :

فالعالم الذي يقضي سنين في بحث مفصل عن الخلية وهو يفتقر إلى الحكمة والضمير، لن يصل إلا إلى معرفةً مجزأةً حتى ولو كان متفوقاً في مجاله، ولن يستطيع وضعَ هذه الأجزاء في قالب كلي يصل من خلاله إلى استنتاج صحيح ·

ولكنّه إذا امتلك الحكمة والضمير، فسيمكنه إدراك نواحي الإعجاز والتكامل في دراسته للخلية، وعندها يسلم بوجود خالق حكيم مدبر· إن صوت ضميره سيخبره بأن القوة التي خلقت الخلية بهذا الكمال هي ذات القوة التي خلقت كل شيء ·

وفي القرآن الكريم نجد أن سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ قد وجد ربه عن طريق إصغائه لصوت ضميره:

(فَلَمَّاْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىْ كَوْكَبَاً قَاْلَ هَذَاْ رَبِّيْ فَلَمَّاْ أَفَلَ قَاْلَ لا أُحِبُّ الأَفِلِيْنَ فَلَمَّاْ رَأَىْ الْقَمَرَ بَاْزِغَاً قَاْلَ هَذَاْ رَبِّيْ فَلَمَّاْ أَفَلَ قَاْلَ لَئِنْ لَمْ يَهدِنيْ رَبِّيْ لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّيْنَ فَلَمَّاْ رَأَىْ الشَّمْسَ بَاْزِغَةً قَاْلَ هَذَاْ رَبِّيْ هَذَاْ أَكْبَرُ فَلَمَّاْ أَفَلَتْ قَاْلَ يَاْ قَوْمِ إِنِّيْ بَرِيءٌ ممَّاْ تُشْرِكُوْنَ إِنِّي وَجَّهتُ وَجهِي لِلذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشرِكِينَ) الأنعام: 76 – 79 .

نرى في هذه الآيات كيف أن سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ وصل إلى معرفة ربه وأدرك، بالعودة إلى ضميره، أن كل ما حوله إنما هي مخلوقات وأن لهذه المخلوقات خالقاً عظيماً ·

وإن من يفكر بالاعتماد على ضميره ودون أن يستمع لرغباته وأهوائه، يمكن أن يرى هذا بوضوح حتى لولم يكن ثم من يخبره به فيدرك وجود الله سبحانه وتعالى ·

.

تعليقات