معالم التضحية في مستعمرة النمل



أولا  : من أهم معالم الميزة لمستعمرة النمل المشاركة في الغذاء . فإذا تقابلت نملتان وكانت إحداهما جائعة أو عطشى والأخرى تملك شيئا في بلعومها لم يمضغ بعد فان الجائعة تطلب شيئا من الأخرى التي لا ترد الطلب أبدا وتشاركها في الأكل والشرب .وتقوم النملات العاملات بتغذية اليرقات بالغذاء الموجود في بلعومها .وفي أغلب الأحيان تكون كريمة مع غيرها وبخيلة مع نفسها يشأن الغذاء131.

ثانيا : هناك توزيع في أداء الواجبات ضمن المستعمرة الواحدة وكل نملة تؤدي ما عليها من واجب بكل تفاني وإخلاص .وإحدى هذه النملات هي البوابة او حارسة الباب .وهي المسؤولة عن السماح بدخول النمل من أبناء المستعمرة فقط ولا يسمح للغرباء بالدخول أبدا وتكون رؤوس هذه الحارسات بحجم بوابة المستعمرة فتستطيع أن تسد هذه البوابة برأسها. وتظل الحارسات طيلة اليوم يقمن بواجبهن وهو حراسة مدخل المستعمرة 132 لذلك فان أول من يجابه الخطر هؤلاء الحارسات.

ثالثا : لا تكتفي النملات بمشاركة أخواتها بالطعام الذي تحمله في معدتها بل تقوم بتنبيه الباقيات الى وجد طعام أو كلإ في مكامن ما صادفته .وهذا السلوك لا يحمل في طياته أي معنى للأنانية. وأول نملة تكشف الغذاء تقوم بملء بلعومها منه ثم تعود الى المستعمرة .وفي طريق العودة تقوم بلمس الأرض بطرف بطنها تاركة مادة كيمياوية معينة ولا تكتفي بذلك بل تتجول في أنحاء المستعمرة بسرعة ملحوظة ثلاث او ستة مرات وهذه الجولة تكفي لإخبار باقي أفراد المستعمرة بالكنز الذي وجدته .وعند عودة النملة المكتشفة إلى مصدر الغذاء يتبعها طابور طويل من أفراد المستعمرة.

رابعا : هناك نمل يدعى قطاع الورق تكون عاملاته المتوسطة الطول مشغولات طيلة اليوم بحمل أجزاء الورقة النباتية إلى المستعمرة .ولكنها تكون في غاية الضعف عند حملها للورقة النباتية خصوصا تجاه الذباب أو أبناء جنسه .ويترك الذباب بيضه على رأس هذا النمل .وتنمو يرقة هذا الذباب متغذية من مخ هذه النملة وهو ما يؤدي الى موتها.وتكون عانلات هذا النوع من النمل في غاية الضعف أمام سلوك هذا الذباب خصوصا عند حملهن للورقة النباتية .ولكن هناك من يحميهن من هجوم هذا الذباب وهم النمل الذين من نفس المستعمرة وقصيري القمة يقومون بوظيفة حراسة العاملات بواسطة جلوسهم فوق الورقة النباتية وعلى أهبة الاستعداد لرد أي هجوم من الذباب على أعقابه133.

خامسا : هناك نوع من النمل يدعى نمل العسل وسبب هذه التسمية أنها تتغذى على فضلات بعض الحشرات المتطفلة على الأوراق النباتية وتكون فضلات هذه الحشرات غنية بالمواد السكرية. وتحمل هذه النملات ما مصته من فضلات سكرية إلى مستعمرتها و تخزنها في أسلوب عجيب وغريب .لان البعض من هذه النملات العاملات يستخدم جسمه كمخزن للماد السكرية .وتقوم العاملات اللاتي حملن المواد السكرية بتفريغ حمولتهن داخل أفواه العاملات او-المخازن الحية-والتي بدورها تملأ الأجزاء السفلية من بطونها بهذا السكر حتى تنتفخ بطونها ويصبح حجمها في بعض الأحيان بحجم حبة العنب .ويوجد من هذه العاملات في كل غرفة من غرف الخلية عددا منهن يتراوح بين 25و30نملة ملتصقات بواسطة سيقانهن بسقف الغرفة في وضع مقلوب .ولو تعرضت إحداهن للسقوط تسارع العاملات الأخريات إلى إلصاقها من جديد .والمحلول السكري الذي تحمله كل نملة يكون أثقل بثماني مرات من وزن النملة نفسها.وفي موسم الجفاف أو الشتاء تقوم باقي النملات بزيادة هذه المخازن الحية لأخذ احتياجاتها من الغذاء - السكر - اليومي .حيث تلصق النملة الجائعة فمها بفم النملة المنتفخة وعندئذ تقوم الأخيرة بتقليص بطنها لإخراج قطرة واحدة الى فم أختها .ومن المستحيل ان يقوم النمل بتطوير هذه المخازن وابتكارها بهذه الطريقة العجيبة ومن تلقاء نفسها .واضافة الى ذلك التفاني والتضحية التي تتسم بها النملة المنتفخة حيث تحمل ما هو أقل من وزنها ثماني مرات فضلا عن بقائها ملتصقة وبالمقلوب مدة طويلة جدا ودون مقابل. وان هذا الأسلوب المبتكر وفقا لبنية تلك النملة ليس من الصدفة وحدها .لأن هناك نمل متطوع أن يصبح مخزنا حيا في كل جيل جديد وطيلة أجيال سابقة ولاحقة بلا شك أن سلوكها هذا من تأثير الإلهام الإلهي الذي خلقهن وسواهن عز وجل.
.

سادسا : هناك أسلوب للدفاع عن المستعمرة يتبعه النمل أحيانا وهو الهجوم على العدو والتضحية حتى الموت.وتوجد أشكال عديدة لهذا الهجوم الانتحاري .منها الأسلوب الذي يتبعه النمل الذي يعيش في الغابات المطرية في ماليزيا فجسم هذا النوع من النمل يتميز بوجود غدة سمية تمتد من رأس النمل حتى مؤخرة جسمه.وان حدث أن حوصرت النملة من كل جهة تقوم بتقليص عضلات بطنها بشدة تكفي لتفجير هذه الغدة بما فيها من السم بوجه أعدائها ولكن النتيجة موتها بالطبع 134.

سابعا : يقدم ذكر النمل ومثله الأنثى تضحية كبيرة في سبيل التكاثر .فالذكر المجنح يموت بعد فترة قصيرة من التزاوج .أما الأنثى فتبحث عن مكان مناسب لإنشاء المستعمرة وعندما تجد هذا المكان فان أول عمل تقوم به هو التخلي عن أجنحتها .وبعد ذلك تسد مدخل المكان وتظل كامنة داخله لأسابيع وحتى الشهور دون أكل أو شرب .وتبدأ بوضع البيض باعتبارها ملكة المستعمرة .وتتغذى في هذه الفترة على جناحيها الذين تخلت عنهما وتغذي أول اليرقات بإفرازاتها هي وهذه الفترة تعتبر الوحيدة بالنسبة للملكة التي تعمل فيها لوحدا بهذا الجهد والتفاني وهكذا تبدأ الحياة بالمستعمرة

ثامنا : إذا حدث هجوم مفاجئ من قبل الأعداء على المستعمرة تقوم العملات ببذل ما بوسعهن للحفاظ على حياة الصغار . ويبدأ النمل المقاتل بالتحرك صوب الجهة التي هجم منها العدو ومجابهته فورا. أما العاملات فتسرع نحو الغرف التي توجد فيها اليرقات لتحملها بواسطة فكوكها إلى مكان معين خارج المستعمرة لحين انتهاء المعركة 133 والمتوقع من حيوان كالنمل في مثل هذا الموقف العصيب أن هذا الموقف العصيب أن يفر هاربا ويختفي فيه عن انظار الأعداء ، ولكن الذي يجري في المستعمرة غاية في التضحية والتفاني من أجل سلامة المستعمرة, فلا النّمل المقاتل ولاحراس البوابة ولا العاملات يفكرون في أنفسهم فقط، فالكلّ يفكّر في المستعمرة بأكملها، وهذا ديدن النّمل منذ ملايين السنين.


النـتـيـجة

و بلا شك فإنّ الأمثلة سالفة الذّكر تعتبر أمثلة محيرة من عالم الأحياء, والمحير فيها أنّ هذه الأنماط السّلوكية صادرة عن كائنات حيّة صغيرة كالنمل و هو ما يصادفه الإنسان في حياته اليومية دون أن يشعر بتفاصيل حياة هذا المخلوق. ولو دققنا في هذه التفاصيل لوجدنا أمورا عجيبة وغريبة تجبرنا على التفكير بروية في ماهيتها لأن هذه الحيوانات تمتاز بوجود جهاز عصبي دقيق للغاية ومخّ محدود الحجم والارتباطات العصبية مع هذا تقوم بسلوكيات لا يمكن القول عنها إلاّ أنها شعورية محض، والسبب كونها منفذة مطيعة لما أمرت به أن تنفذه منذ ملايين السنين دون فوضى أو إهمال أو تقصير، وما هذا الأمر المنفذ بحذافيره إلا إلهام إلهي من الخلاق العليم جل جلاله. وهذا الانقياد التام من الكائنات الحية للخالق عز وجل يصوّر من قبل القرآن كما يلي :

{ أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون } سورة آل عمران - الآية 83


131- PETER KROPOTKIN بيتر كروبوتكين, MUTUAL AID ,A FACTORAL EVOLUTION

1902 الجزء الأول

132- BERT H?LLDOBLER -EDWORD O WILSON برت هولدوبلرو ادوارد ويلسون ، 1990،

ص. 330-331

133-NATIONAL GEOGRAPHIC ، تموز 1995 ص.100

134- BERT H?LLDOBLER -EDWORD O WILSON برت هولدوبلرو ادوارد ويلسون ، 1990،

تعليقات