القومية الرومنسية / تابع الرومنسية سلاح بيد الشيطان / الجزء 02



يشيع بين الناس أن النزعة الرومنسية تعود جذورها إلى الحركة الرومنسية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، إلا أن الرومنسية إلى جانب هذه الأشكال وثيقة الصلة بنزعات سياسية معينة. وأهم هذه النزعات "القومية الرومنسية" التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر وكان لها تأثير كبير على العالم إلى منتصف القرن العشرين. في البدء يجب أن نصرح قائلين أن نقدنا ليس موجها إلى القومية في حد ذاتها، بل نقصد بنقدنا "القومية الرومنسية"، إذ ثمة بون شاسع بين الاثنين.

التـــعـــصـــب الـــقــــومـــــي

تشير القومية في أظهر معانيها إلى حب المرء لبلده وقومه، وهو شعور جيد ومشروع. فطالما لم تتعارض القومية مع الدين فهي لا تنطوي على ضرر للإنسانية. فكما أن حب المرء لأمه وأبيه شعور مشروع، فحبه لوطنه الذي ترعرع فيه وتشبع بثقافة أهله كذلك مشروع. إلا أن المشاعر القومية تصبح غير مشروعة حين تخرج عن قيد العقلانية وتصبح عاطفية أكثر مما ينبغي. فلو انبرى المرء بدافع الحب لبلده يعادي البلدان الأخرى دون مبرر، أو طفق ينتهك حقوق الأمم والشعوب الأخرى ناظرا بعين مصلحته وحسب، كأن يغتصب أراضيهم أو يصادر مملتكاتهم، فإنه يتخطى بذلك الحدود المشروعة. أو حين يسمح لحبه لوطنه أن يتحول إلى نوع من العنصرية زاعما أن أمته متفوقة في أصلها على ما عداها من أمم، فإنه يصبح بذلك صاحب موقف غير عقلاني.
.
يلفت الله انتباهنا في القرآن الكريم إلى هذه القومية غير العقلانية. فـ "الحمية" التي تتحدث عنها الآية التالية سمة جوهرية للمجتمعات البعيدة عن هدي الدين: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }الفتح26.
.

وكما تتحدث الآية المذكورة عن "الحمية" فهي تتحدث كذلك عن السكينة التي يسكبها الله في قلوب عباده المؤمنين. وهذا التجاور بين الحمية والسكينة في الآية يقرر خطأ وخطر موقف من يحمل مشاعر عدائية تجاه الآخرين بدافع من حبه لعشيرته أو مجتمعه. وعلى العكس من ذلك، يريد الله أن تشيع مشاعر الأمن والسكينة والسلام بين عباده. وبعبارة أخرى، إن الحالة الروحية التي يريدها الله لعباده هي تلك التي يكون فيها للعقل الكلمة الأخيرة.
.
لا تسمح الحمية بوجود مثل هذه الحالة المرغوبة، بل تغري مجموعة ما بمجموعة أخرى انطلاقا من فوارق اللون والعرق واللسان. ولقد تحدث الله عن هذه الحمية في القرآن الكريم قبل 1400 عام ولا تزال آثارها ماثلة للعيان في جميع أجزاء العالم. فثمة شعوب في أفريقيا تقتل شعوبا أخرى لا لشيء سوى انتمائها لقبيلة أخرى. وفي أوروبا تتحول مباريات كرة القدم إلى صدام مسلح حين يضرب مثيرو الشغب مشجعي الفريق الخصم حتى الموت. وفي العالم الغربي توجد تنظيمات هدفها الأول هو إثارة مشاعر الكراهية ضد الأمريكيين من أصل أفريقي واليهود والأتراك وغيرهم من الأقليات الأخرى، بل وتجعل منهم هدفا لهجمات إرهابية تشنها عليهم.
.
ولا ينحصر التعصب القومي في طبقات المجتمع الدنيا بل نجد آثاره ماثلة في الطبقات العليا من بعض المجتمعات. فثمة بلدان كثيرة تستغل خلافا حدوديا تافها فتجعل منه مسوغا لشن عدوان سافر. وتؤز الميول العدوانية هذه الدول إلى الدخول في حروب مطوّلة لا يقتصر ضررها على شعوب الدولة الخصم بل يصل إلى شعوبها هي مسببا لها ألوانا من المآسي والبؤس. إن الحكومات التي تتخذ قرارات الحرب هذه مصابة بداء التعصب القومي. وكما بيّنت الآية الكريمة فإن من امتلأ قلبه بالتعصب القومي عاش في ظلمة الجهل.
.
إن المصابين بداء التعصب القومي هم أيضا الذين تسببوا في أسوأ  الكوارث التي شهدها العالم في القرن العشرين، أعني الحربين العالميتين الأولى والثانية. لقد دفعت أفكار زائفة مثل "البطولة الألمانية" و"الشرف الإنجليزي" و "الشجاعة الروسية،“ دفعت حكومات هذه الدول إلى الدخول في حروب لا معنى لها فذاقت بسببها شعوب أوروبا والعالم الأمرين وأزهقت فيها 65 مليون من الأرواح البريئة، وجرح وترمّل ويٌتِّم بسببها عشرات الملايين من البشر.إن التعصب القومي هو سبب هذه الفواجع كلها، ونحن الآن نشير إليه بـوصف "القومية الرومنسية"

مــيــلاد الـقــومــيــة الـــرومــنــســيــة
.
انتشرت النزع القومية كفكرة في أوروبا في القرن الثامن عشر. وكان الناس قبلها يخضعون لسلطة عدد كبير من ملوك الإقطاع. لقد انضوت هذه الدول تحت راية دولة قومية واحدة تتولى إدارتها حكومة مركزية. وكانت دول أوربية مثل فرنسا وانجلترا من أولى الدول اعتناقا لفكرة القومية وأولها تحولا إلى نظام الدولة القومية. وبنهاية القرن التاسع عشر كانت معظم الأمم الأوربية قد حققت وحدتها القومية.
.
دولتان فقط لم تشاركا في هذا التطور السياسي وهما ألمانيا وإيطاليا. فقد عمّرت الحكومات المحلية والدول التي لا تتجاوز سلطتها حدود مدينة واحدة في كلا الدولتين أطول من مثيلاتها في الدول الأوربية الأخرى. ولم تنتقل إيطاليا إلى طور الدولة إلا في عام 1870م ثم تلتها ألمانيا في عام 1871م. وبعبارة أخرى، فقد كانت دولتا ألمانيا وإيطاليا أبطأ من الدول الأوربية الأخرى في اعتناق الأفكار القومية وتبنيها.
.
غير أن هذا الوضع الخاص قد تسبب في خلق نوع من القومية في هاتين الدولتين أكثر تطرفا من النزعات القومية التي انتظمت بقية الدول الأوربية. وطبقا لما يقوله علماء الاجتماع فإن انتشار المشاعر القومية المغالية التي ترتبط بما تحقق مؤخرا من وحدة قومية هو الذي قاد إلى ظهور أكثر أشكال القومية تطرفا في هذه الدول ووصولها إلى سدة الحكم في هاتين الدولتين، أعني النظام النازي والنظام الفاشي.
.
لقد عٌرف الأشخاص الذين روجوا لفكرة التعصب القومي في هاتين الدولتين وفي ألمانيا بشكل خاص بـ "القوميين الرومنسيين". وتتمثل أبرز سمات القوميين الرومنسيين في تغليبهم الشعور على العقل واعتقادهم أن لأمتهم "روحا" غامضة خاصة تضعها في مقام أسمى وأرفع من الأمم الأخرى. وبنهاية القرن التاسع عشر كانت القومية الرومنسية قد تأثرت بالنظريات العنصرية التي لقيت فيما بعد قبولا واسعا وأدت إلى ظهور فكرة تفوّق العرق الأوروبي على أعراق العالم الأخرى مما يخوله الحق في حكم هذه الشعوب.
.
وما لبثت القومية الرومنسية أن انتشرت بسرعة وبخاصة في ألمانيا في العقدين الأول والثاني من القرن التاسع عشر. وطفق كتاب من أمثال بول لاغاردي ويوليوس لانغبيهن يبشرون بنظام عالمي هرمي التكوين يتولى الألمان قيادته. وزعم هؤلاء أن إقامة هذا النظام ممكن بسبب التفوق الفطري "للروح" الألمانية و "الدم الألماني" وأن على الألمان إذا أرادوا تحقيق هذه الهيمنة أن يتخلوا عن الأديان التوحيدية مثل النصرانية ويعودوا إلى ماضيهم الوثني. 
.

.
لقد لعب تنامي الجمعيات السرية في ألمانيا دورا مهما في نشر فكرة القومية الرومنسية خلال هذه الحقبة. وتتكون رؤية هذه الجمعيات السرية للعالم من عدة أفكار ضحلة منها: أنه يمكن للبشر إدراك الحقيقة لا عن طريق عقولهم ولكن بواسطة مشاعرهم وغرائزهم، وأن لكل دولة روح فطرية وأن الروح الفطرية لألمانيا هي روح وثنية. لقد مهدت هذه الجمعيات لظهور هتلر ونظامه النازي. كتب المؤرخ الإنجليزي ميشيل هوارد يقول: "إن ظهور الحركة القومية لعموم ألمانيا والتي استمدت زخمها الروحي من نظام الجمعيات السرية وأخذت عقيدتها من الفلسفات السرية الغامضة للجمعيات السرية، هي التي أخرجت للوجود المبادئ العرقية المتطرفة التي تمخضت عن الاشتراكية القومية في العشرينيات من القرن العشرين".
.
لا جرم أن إسهام القومية الرومنسية الوحيد في مسيرة البشرية قد تمثل في التمهيد لظهور النظام النازي  الذي يعد بحق أحد أكثر الأنظة دموية ووحشية في التاريخ.
.
شــيــزوفــريــنــيـا الــــقــومـيـة الـــرومــنــســيــة
.
إن إيمان القوميين الرومنسيين بقدرة الإنسان على الوصول إلى الحقيقة بسبيل "الحس والغريزة" لا عن طريق العقل هو الذي حدا بهم إلى تبني رؤية للعالم يشوبها الاضطراب وتعكس بؤسهم الروحي المدقع. وصف أستاذ التاريخ الأمريكي غيرهارد ريمبل الحالة الروحية للقوميين الرومنسيين في مقال بعنوان: "الإصلاح والتحرير والرومنسية في بروسيا" فقال : "لقد حاول الرومنسيون الهرب إلى عوالم الفانتازيا والعاطفة والمجاز. ففي مجال الروح حاولوا اللعب بالموت والتفكير القلق في هدأة الليل الكئيب المعتم“.
.
قال نوفاليس (وهو من رواد الاتجاه الرومنسي الألماني في أطواره الأولى): "الحياة هي سقام الروح" وهذه بداية التشاؤم الجمالي. لقد كشفت الرومنسية الغطاء عن القوى غير العقلانية للروح الإنسانية. لقد آمن نوفاليس أنه يمكن توحيد كل العوالم والعصور بواسطة سحر الخيال. وعبر الأدب الوطني الذي ساد خلال حرب التحرير وصل "رقص الروح" هذا إلى قاعدة الجماهير الأوسع. ولقد طوّر الرومنسيون الألمان مبدأ النزعة الجمالية والتي مثلت من أول يوم رفضا للعقل ومحاولة لتحقيق الوحدة والوضوح بعمل فوري واحد. وكان الشعر في هذه النظرية هو الحقيقة المطلقة".
.


لقد نهض بناء القومية الرومنسية على قاعدة الحس والشعور. وأنتجت هذه الأيديولوجية الخيالية أفرادا انبتت الصلة بينهم وبين الواقع وتاهوا في مفازات اضطرابهم العقلي. لقد قطعت الرومنسية أسباب الصلة بين معتنقيها وبين الواقع، وهي بهذه الصفة تشبه المرض النفسي المعروف بالشوزيفرانيا الذي يقطع الصلة بين المصابين به والواقع فيعيشون في عالم من صنع أخيلتهم.
.
ثمة أوجه شبه معبرة بين مرض الفصام والحالة الروحية للقومية الرومنسية والتي تقوم على طائفة من الأفكار المغلوطة وأبرزها فكرة "الدم" و "وطن الآباء" والتي تتحول بعد ذلك إلى هوس ينقاد له أصحاب هذا الاتجاه بتسليم تام. لقد اكتسبت فكرة "الدم ووطن الآباء" زخما في ألمانيا في بداية القرن العشرين، فاكتسب الدم الألماني ووطن الآباء الألماني بموجب هذه الفكرة قدسية كما أعتٌبِرت الأقليات غير الألمانية التي تقيم بألمانيا مصادر تلويث للدم الألماني وإفساد لأرض الآباء الألمان.
.

ولقد كان لهذا التفكير تأثير كبير على الإيديولوجية النازية التي اعتبرت إراقة الدماء جزءا من حرب صليبية مقدسة. فعقب محاولة انقلابية فاشلة نفذها النازيون في عام 1923م أخذ هتلر راية من رايات الحزب النازي كانت ملطخة بدماء النازيين ليجعل منها معبودا تألهه قلوب أتباع الحزب. وعرفت هذه الراية فيما بعد باسم " Bluffing " أو "راية الدم". كما احتفظ النازيون بتلك الراية كما هي وأصبحت رمزا مقدسا تحتفي به جميع تجمعات النازيين. ومن العجيب أن رايات أخرى جديدة كانت تلصق بهذه الراية الأصلية حتى تنقل إليها شيئا من قداستها المزعومة.