الاسلام لم يجز اكتساب المال من كلّ سبيل، بل من الطريق الحلال فقط




لقد نهى الإسلام عن الكسب الحرام لأنه شؤم وبلاء على صاحبه ونهى عن الجشع والطمع والغش والكذب والنصب والاحتيال والاحتكار والربا وكلّ طريقة ملتوية لكسب المال وحثّ على اعتبار المال مجرد وسيلة لتحقيق الحاجات الدنيوية (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا) القصص/ 77 فالمال الحرام ينطفئ نور الإيمان ويحل غضب الجبار ويمنع إجابة الدعاء

للذلك فلا يحلّ لك أخذ المال بالسرقة والاغتصاب، فمال الآخرين _كما مرّ سابقاً _ محترم مثلما أن مالك محترم أيضاً، فكما لا تحبّ أن يُعتدى على مالك، فلا تعتد على أموال الآخرين.

يحرم العمل بالمحرّمات من أجل تحصيل المال، كلعب القمار، والبغاء، وبيع الخمرة، ولحم الخنزير، والسحر، لما في ذلك من نشر الفساد، وإشاعة الرذيلة بين الناس.

يعتبر الاسلام الكدح والسعي وبذل الجهد من أجل تحصيل المعاش وصيانة النفس عن استعطاء الناس، من الاعمال الجليلة الممدوحة، فتأمين المرء لاحتياجاته بالطرق المشروعة يحفظ له كرامته ويؤدي الى النهوض بالمجتمع، وتحريك قابليات وطاقات المسلمين الفكرية والثقافية والبدنية فالعاملون الكادحون مجاهدون في سبيل الله

ومن آداب الكسب الحلال أن تكون الغاية هي طاعة الله ومرضاته، وأن تطلب الرزق بالصبر والتأني من وجوه الحلال، وعدم الحسرة على ما فات، ومخالطة الخيرين، والدعاء لطلب الرزق وأنت تسعى وليس وأنت جالس في البيت.

الأعمال المحرّمة :

لا يجوز لك العمل عند غير المسلمين في بناء معابدهم وتجهيزها بالانارة والبلاط والابواب، فهذا من إشادة صروح الكفر أو الشرك وتعميرها، كما لا يجوز لك العمل في صنع لوازم عبادتهم كالاصنام والرسوم والشعارات.

يحرم معاونة الظالم في ظلمه سواء وقع الظلم على المسلم أو على الكافر، وسواء كانت المعاونة مجاناً أو تطوعاً (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسّكم النار) هود/ 113.

فالاسلام لا يطلب منا أن لا نكون ظالمين فحسب، بل أن لا نشجّع الظلم ولا نُعين الظالمين، فهو ظلمٌ أيضاً.

يحرم بذل الجهد الفكري والثقافي _قلماً ولساناً وعملاً _ في طرح الأفكار الباطلة وتأييد الموجود منها، التشنيع على دين الحقّ، وإهانة المقدسات والسخرية منها، ومدح الظالم وتقوية ظلمه، والحثّ على الرذيلة والاباحية كالدفاع عن السفور والتبرج والزنا.

يحرم العمل في صناعة الخمور في كلّ مراحلها سواء في بلاد المسلمين أو في غيرها، وهذا ايضاً جزء من مخطّط إسلامي شامل لابعاد المسلم والمسلمة عن كلّ مكان أو جوّ فيه رائحة انحراف ولو بسيطة حتى يبقى محصّناً ضده، وما يدريك فلعلّ العمل في هذه المصانع يكون سبباً للتشجيع على تعاطيها، أو النظرة اليها نظرة طبيعية.

يحرم عمل السحر وأخذ الأجرة عليه، كما يحرم العمل بالتنجيم وضرب المندل بالاخبار عن الأمور الغيبية، وقراءة الكف وخطوط الفنجان، فلا يعلم الغيب إلاّ الله، كما أن الاشكال على هذه الامور يُقعد الانسان عن العمل والانتاج، وانتظار ما تأتي به الصدف، في حين أن الاسلام يشجّع على السعي لبلوغ الآمال والتطلّعات.

من شروط قبول الدعاء الكسب الحلال الطيب:

لقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن من بين شروط قبول الدعاء أكل الحلال الطيب

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ( المؤمنون : 51 ) ، وقال تعالى : ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ( البقرة : 172 ) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر : أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك ؟ . رواه مسلم .

ولقد أخبرنا رسولنا  صلى الله عليه وسلم بأنه سوف يأتي على الناس زمان يتهاونون فيه في قضية الكسب فلا يدققون ولا يحققون في مكاسبهم . فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام؟ ) أخرجه البخاري في البيوع (2059) .

لماذا يتهاون الناس في الكسب الحرام

أولا : عدم الحياء والخوف من الخالق عز وجل

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استحيوا من الله حق الحياء. قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك استحيا من الله حق الحياء". رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود

فالخوف والحياء من الله الخالق عز وجل وحسن مراقبته مسائل كلها تقي المسلم وتحميه من الوقوع في الحرام فإذا نزع الحياء من الإنسان فانه لا يبالي أكان مكسبه من حلال أم من حرام ؟ وفي هذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت )  صحيح ابن ماجة

ثانيا : وهم الكسب السريع

وهم الكسب السريع يدفع بكثير من الناس باستعجال المال من أي جهة وبأي طريق حتى لو كان من حرام , فالمكسب السريع عندهم هو الغاية المرجوة والهدف المنشود , وقد يتأخر الرزق عن بعض الناس لحكمة يعلمها مقدر الأرزاق ومقسمها ؛ فيحمله استبطاء الرزق على أن يطلبه بمعصية الله

ثالثا : الجشع والطمع

الكسب الحرام له آثار وأضرار وخيمة على صاحبه فهو يؤدي إلى ظلمة القلب وكسل الجوارح عن طاعة الرب , ونزع البركة من الرزق والعمر ففي الحرص لا يخلو المرء من تعب وفي الطمع لا يخلو من ذل, وقديما قيل " أذل الحرص أعناق الرجال" . وقال ابن أدهم " قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع وكثرة الحرص والطمع تورث كثرة الغم والجزع " والطمع يُعمي الإنسان عن حقائق الأمور ويُخفي عنه معالمها. وأنشد أحدهم :

جمع الحرام على الحلال ليكثره         دخل الحرام على الحلال فبعثره

فمن علائم الإيمان العفة عن المحارم، و من علائم الإيمان العفة عن المطامع