محمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كما ورد في القرآن الكريم

(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )  سورة القلم 1 – 7 .

هذه الآيات تؤكد استمرار اكتساب النبي للأجر والحسنات ، وتخبرنا عن تقوى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وخشيته من ربه وتمتدحه لفضائل أخلاقه وسموها والأخلاق الحسنة هي من اعظم دلالات ودعائم الإيمان :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ) . رواه الترمذي  وأبو داود 

كما وان معرفة أسس الأخلاق الفاضلة والبحث عنها وتطبيقها هي كذلك من أسمى العبادات وسنناقش في هذا القسم من المدونة بعضا من الآيات القرآنية من الذكرالحكيم التي تعدد خصائص وفضائل نبينا الكريم (
صلى الله عليه وسلم)

 نبينا ( صلى الله عليه وسلم) يلتزم باتباع ما يوحى إليه


ورد ذكر كثير في القران الكريم أن النبي صلى الله عليه وسلم  اتبع ما يوحى إليه من ربه ولم يتبع أو يفعل ما يريده الناس أو ما يرضون عنه. حتى إن بعض من عاصروه من أهل الشرك و أهل الكتاب قد طلبوا منه الإتيان بأحكام تؤمن لهم منافع وترضي رغباتهم ورغم كون هؤلاء اكثر قوة وأعز نفرا، فان النبي صلى الله عليه وسلم  تمسك بحكم الله والقران ولم يتزحزح أو يضعف وتخبرنا الأيات البينات عن ذلك

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) سورة يونس–15 – 16


لقد نبه الله نبيه وحذره من تصرفات قومه تلك:
.
(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)  سورة المائدة الآيات  48 – 49


وقد ابلغ النبي صلى الله عليه وسلم قومه والناس جميعا ما أوحي إليه من ربه بثبات قلب وقوة إرادة ، وهذه الآية تبين ذلك :

{قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } الأنعام  50
.
إن الدين الحق قد أُبلغ إلى الناس بهذا الثبات وقوة الإرادة وهذه حقيقة تظهر تفوق الرسول صلى الله عليه وسلم على سائر البشر بشكل لا لبس فيه ولا ريب و إن الناس من جميع العصور و الأزمان يبدون ضعفا واهتزازا أمام جبروت القوة والقهر والمغريات والأهواء وكثير من المؤمنين و أصحاب العقيدة يظهرون هذا الضعف والتراخي وينهزمون وبدلا من التمسك بأهداب العقيدة الدينية يضطرون إلى التنازل عنها أو ترك بعض منها، أو لا يقدرون على ترك بعض ما اعتاد الناس عليه من أمور لا يرضى بها الدين  وربما لا يطبقون بعضا من الأوامر الدينية خجلا أو خشية أو رهبة من الناس ومن حولهم من أصدقاء وأهل وعشيرة أو لا يتركون أو يتخلون عن بعض العادات والتقاليد المخالفة لأوامر الدين، ويلجأون إلى الأخذ ببعض الفرائض ويتناسون أو يتجاهلون ما لا يرضي أهوائهم، وقد يلجأون إلى تفاسير وتأويلات لتبرير مواقفهم تلك.
.
ومما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم  لم يتساهل أو يتنازل أبدا أمام مثل تلك المواقف أو الطلبات وبدون أن يأخذ بالاعتبار ما عدا ما تمليه عليه خشيه الله تعالى ورضاه والحرص على دعوته ، فقد بلغ آيات القرآن المنزل إليه إلى الإنسانية بدون تغيير أو تبديل أو خشية، ضاربا عرض الحائط كل المقاصد الشخصية والاعتبارات النفعية ويذكر الله عز وجل هذه المزايا المحمدية من الخشية من الله والتقوى والإيمان العميق :

(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) سورة النجم  1 – 5 .


وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) سورة الحجرات  7


{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ }هود 18


 توكل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على ربه نموذج لكل الناس


لقد بين القران الكريم وضوح وجلاء، عظم توكل النبي صلى الله عليه وسلم وتسليمه أموره إلى الله تعالى، كقوله في الآيات المتعلقة بالهجرة النبوية واحتمائه هو وصاحبه في غار حراء  بعد  خروجهما من مكة، ففيها كل معاني التوكل:

{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }    سورة التوبة 40



لقد سلم النبي صلى الله عليه وسلم 
كل أمره إلى ربه وفي كل ظرف وحال  واعتقدَ جازما أن الخير والجمال في كل ما خلقه الباري، وفي الآية التالية حيث يأمره ربه بإبلاغ الناس، خير دليل على هذا التوكل والتسليم


(إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) سورة التو بة  50 – 51



كان توكل الرسول صلى الله عليه وسلم  خير مثال ونموذج للمسلمين، أن ما يأتي من عند الله تعالى لا تستطيع أي قوة مهما عظمت أن تغيره أو تبدله، وفي هذا جاء في الحديث (عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا غلام إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح


إن من يتبع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم  من المؤمنين يسلمون أمورهم إلى الله ويتوكلون عليه في كل ما يصيبهم من مصيبة أو محنة وان في كل ما قدره الله خير وحسنة. ولا ننسى أن النبي صلى الله عليه وسلم  وهو احب خلق الله إليه واتقاهم صادفته مصاعب عظيمة وحوادث جسيمة، واختبر وامتحن. 


فقبل كل شيء لقي الكثير من الصعاب من الناس الذين ارسل لتبليغهم الرسالة من المشركين الذين لم يتركوا آبائهم، وما قاموا به من أذى ونفاق ووضع العراقيل والمهالك أمامه وطلبوا منه أن يأتيهم بآيات حسبما تهواها نفوسهم المريضة، بل و حاولوا نفيه وحصاره وحتى تآمروا على اغتياله، واستمروا في أذاهم ووقوفهم أمام تبليغ الرسالة.

غير إن النبي صلى الله عليه وسلم  وبمزيد من الصبر والثبات، كان جوابه لهم هو الإصرار على المضي والاستمرار في تبليغ رسالة الله، وحمايته المؤمنين وتربيتهم في المدرسة القرآنية. إن وراء كل هذا  الجلد والصبر والثبات والعزم الراسخ، إيمانه العميق وتوكله على ربه وتسليمه أموره جميعا إليه.

لقد آمن كما كان حاله في الغارأن كل ما يأتي من الله تعالى فيه الخير والجمال والفلاح، وأن  كل ما خلقه الله لابد وان تكون عاقبته الخير العميم وفي حديثه صلى الله عليه وسلم خير مثل على هذا التوكل حين يصف حال المؤمن (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه مسلم  
مع هذا الإيمان العميق كان الرسول صلى الله عليه وسلم  يرى أن على المرء أن يبذل جهده ويعمل على ما يقدر عليه، ويترك النتيجة لتقدير الله  وكان هذا مصدر ثقة واطمئنانه، وقد نصره الله و أيده دائما جزاء صبره وتوكله.

التزم الرسول صلى الله عليه وسلم دائما بوصايا ربه إليه بالصبر على ما يلاقيه من محن ومصاعب، وحرص على هذا الالتزام طوال حياته، وهذا ما تؤيده الآية


{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }النساء81


وتظهر آية أخرى مدى التزام الرسول بالتوكل على ربه وتسليم أمره إليه وفي احلك الظروف و أكثرها حراجا


{فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } سورة آل عمران 20


وفي حديث نبوي، يضرب لنا مثلا لما يلاقيه المتوكل على ربه بحق من جزاء و إحسان : (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً ) رواه أحمد والترمذي وغيرهم .


إن خير مرشد ودليل للمؤمنين هو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم  و أفعاله عليهم أن يقتدوا به صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال عليهم أن يتذكروا توكله وصبره صلى الله عليه وسلم في تبليغ الدعوة وبعبارة أخرى على المؤمنين أن يضعوا أمام أعينهم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ليأخدوا منها الدروس و الفوائد والعبر والعظات . 

 

تعليقات