المواجهة بين موسى وسحرة فرعون / تابع قصة موسى عليه السلام الجزء 06


طالع جميع أجزاء هذا القسم من المدونة من هنا

تقاطر السحرة إلى فرعون من كل فجاج مصر وجاءوا لمواجهة موسى(عليه السلام) بسحرهم. كان فرعون واثقا من النصر. أما السحرة فقد كانوا يمنون أنفسهم بجوائز ثمينة لقاء تغلبهم على موسى :

(قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) سورة الأعراف 106-114

كان فرعون يريد اغتنام فرصة المواجهة لتعزيز سلطته في مصر، في حين ظن السحرة أنهم قد شرفوا بالقرب من فرعون الأمر الذي يتيح لهم الحصول على فوائد معينة. لقد جيء بأمهر السحرة في مصر في ذلك الزمان لمواجهة موسى(
عليه السلام) وطلبوا منه أن يحدد من تكون له ضربة البداية:

(قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) سورة طه الآية 65-66

عندما قدم السحرة عروضهم السحرية سحروا أعين الناس وبدأت حبالهم وعصيهم وكأنها حيّات عظيمة تتحرك وتسعى. وثمة نقطة تستحق أن نتوقف عندها هنا وهي أننا نجد في الآية السابقة تعبير"يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى" وهي صيغة تدل على أن حركة العصي والحبال لم تكن حركة حقيقية ولكن هكذا كان يخيّل لأنظار المشاهدين. وفي آية أخرى ترد إشارة إلى الطبيعة الوهمية لهذه الحادثة وذلك في قوله تعالى :

(قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) سورة الأعراف 115-116

أي أن سحرة فرعون حازوا بتمويههم على إعجاب الحاضرين، وناصروا فرعون بطلاسمهم السحرية التي أقدموا عليها "بعزة فرعون". وقد كافأهم فرعون على ذلك بأن منحهم جوائز مالية. أي باختصار كانت العلاقة بين الطرفين نفعية.

كان السحرة يعلمون وهم يواجهون موسى(
عليه السلام) أن فرعون لم يكن يملك أي قوة إلهية، لكنهم قدموا له خدماتهم تزلّفا إليه وطمعا في الكسب المادي. فعلوا ذلك وهم موقنون بالظهور على موسى(عليه السلام) وقد عبروا عن هذه الثقة بقولهم: ( فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) سورة الشعراء الآية  44

و كما قصى القرآن فقد استطاع السحرة، بخداعهم وتمويههم، أن يؤثروا على الحاضرين بما في ذلك موسى وأن يملأوهم خوفا، وذلك لما رأى ورأوا تحول عصي السحرة وحبالهم إلى ثعابين تموج وتضطرب. لكن الله ذكر موسى(
عليه السلام) ألا يخاف: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى)    سورة طه الآية 67-69

فالتفت موسى (
عليه السلام) من فوره، وقد سكنت نفسه واطمأنت بذكر الله، إلى السحرة وخاطبهم قائلا لهم أن ما جاءوا به ليس سوى سحر وأن الله سيبطله بحوله وقوته: (فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) سورة يونس الآية 81

ثم ألقى موسى(
عليه السلام) عصاه فحدث شيء ارتاعت له قلوب السحرة. فقد طفقت عصاه تلقف وتبتلع الحيّات المتخيلة التي أطلقها السحرة: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ) سورة الاعراف الآية 117-119

كان فعل موسى (
عليه السلام) معجزة إلهية حقيقية في حين كان عمل سحرة فرعون تمويهاً وخداعاً كاذباً. وهكذا تغلب مكر الله وكيده على مكر وكيد سحرة فرعون، وكان الفوز من نصيب موسى وأيقن جميع الحاضرين أن وعد الله حق. لم يترك الله موسى(عليه السلام) وحده بل مكنه عبر هذه المعجزة من التغلب على أكبر طاغية في ذلك الوقت.

إيمان  السحرة بدين موسى (
عليه السلام)

كانت نتيجة المواجهة بين موسى (
عليه السلام) والسحرة على غير ما توقع فرعون والسحرة والحضور. فقد حلت الهزيمة بالسحرة رغم غطرستهم وثقتهم بأنفسهم. وفوق ذلك، فإن هذه الهزيمة الساحقة كانت قد حدثت أمام أبصار أهل مصر. وكان وقع الهزيمة أكبر في نفوس السحرة لأنهم كانوا يدركون أن سحرهم لا يمت إلى الحقيقة بصلة وكل ما في الأمر أنهم كانوا يحاولون مخادعة الناس وإيهامهم أن حكم فرعون مؤيد بقوة إلهية. لكن معجزة موسى (عليه السلام) قدمت شيئا مختلفا. ولهذا أدرك السحرة أن عمل موسى (عليه السلام) ليس تمويها ولا كيد ساحر. فقد لقفت عصاه إفكهم وباطلهم. ولهذا أدركوا أن عمله معجزة حقيقية وشاهد على وجود الله وبرهان على تأييده لموسى فآمنوا بربهم

(وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)

سورة الاعراف الآية 120-122

في تلك اللحظة انقلب النظام برمته رأسا على عقب، وكُبت فرعون الذي كان يمني نفسه بالتغلب على موسى، ورأى بأم عينه السحرة وهم يسلمون لموسى(
عليه السلام) ويؤمنون به على بصر وسمع الناس. لم يكن بوسع فرعون أن يقبل تصرف السحرة. فهو، حسب منطقه المنكوس، المالك الأوحد لأرض مصر ومما فيها ومن فيها، وكان يرى أنه الجهة الوحيدة التي بيدها سلطة قبول أو رفض تحول الناس إلى عقيدة أخرى: (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) سورة الاعراف الآية 123

حاول فرعون، مدفوعا بتفكيره المشوش، أن يفسر ما حدث تفسيرا مغايرا وأن يصرفه إلى معنى آخر سوى المعنى الواضح البديهي. فقد رأى الناس معجزة بينة تقع أمام أنظارهم أعقبتها هزيمة مجلجلة حلت بسحرة فرعون فأقدموا إثرها على الإيمان بموسى (
عليه السلام) والتصديق برسالته. لقد كان حريا بفرعون في ذلك الوقت أن يقر بالمعجزة التي حدثت ثم يعلن إيمانه بالهدى الذي جاء به موسى (عليه السلام) لكنه بدلا من ذلك تعلق بتفسيرات زائفة ولفق سيناريوهات لم يكن هو نفسه مقتنعا بصحتها. وهكذا أقنع فرعون نفسه أن موسى(عليه السلام) والسحرة متواطئون من أجل السيطرة على السلطة في مصر. بل زعم أن موسى (عليه السلام) هو المعلم الذي لقّن السحرة فنون السحر: (قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) سورة طه 71

هكذا رأى فرعون آيات الله البينة القاطعة ولكنه آثر المغالطة والمماحكة والجحود. والحق أن سلوك فرعون شبيه بسلوك منكري الحق في كل زمان ومكان، الذين يصرون على كفرهم وجحودهم رغم وضوح الآيات والبراهين التي تقدم إليهم. إن هؤلاء يتشبثون بأي نوع من الوهم لتبرير جحودهم. وما من مجتمع إلا خلا فيه مكذبون كثيرون سرت إليهم عدوى العناد الفرعوني الجاحد لوجود ووحدانية الله. ومع هذا أدرك فرعون أن عناده لن ينجيه، فلقد هزت الهزيمة التي حلت بسحرته وتحولهم إلى دين موسى (
عليه السلام) أركان سلطته، فرأى أنه يتحتم عليه قلب الأوضاع وإعادة سلطته إلى سابق قوتها ومجدها. ولتحقيق هذا الهدف لجا فرعون إلى العنف مهددا السحرة بالعذاب والقتل. لكن السحرة الذين أيقنوا بصدق موسى (عليه السلام)، سلموا أمرهم إلى الله. ونلمح في آيات قرآنية كثيرة مدى قوة إيمان السحرة ومتانة عقيدتهم:

(قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) سورة طه الآية 71-73

 (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ) الشعراء 50-51

وكما تبين الآيات أعلاه، فإن السحرة الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم لم يخضعوا ولم يهنوا أمام تهديدات فرعون وبطشه وذلك ليقينهم أن قتلهم يأخذهم إلى الله خالق كل شيء، كما كانوا يطمعون في أن يغفر الله لهم ما سلف منهم من كفر وشرور ومعاندة للحق.

أصبح حكم فرعون بعد تلك الحادثة أكثر شرا وأمعن في الظلم وحاول إخضاع الناس بقوة السلطان وجبروته. فكان من نتيجة ذلك أن تهيب الناس لفرعون إلا طائفة صغيرة من شباب بني إسرائيل، اتباع موسى (
عليه السلام). هؤلاء الشباب وحدهم قد تجاسروا على السير في خُطَا السحرة على طريق الإيمان. أما غالب أهل مصر فلم يخضعوا لحكم الله ولم يخشوه وأبوا دينه الذي أنزل. ويحكي القرآن هذا الموقف على النحو التالي: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) سورة يونس 83

كانت زوجة فرعون من بين القلة التي آمنت بموسى (
عليه السلام) وصدقت برسالته. لم تتجرأ هذه المرأة الكريمة التي عاشت حينا من الدهر في كنف العز الفرعوني على التضحية بكل هذه المزايا وحسب، بل جعلت نفسها هدفا لبطش وعذاب فرعون. والحق أن تحولها هذا دليل على صدق وعمق إيمانها. وقد أشار القرآن إلى زوجة فرعون كمثال للمرأة المؤمنة:

{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }التحريم11

إن في صدق إيمان زوجة فرعون بالله قدوة جليلة للمسلمين جميعا. فقد زهدت هذه المرأة المؤمنة في نعيم الدنيا الزائل وآمنت أن الدار الآخرة هي الحيوان ودعت الله أن يبني لها بيتا في الجنة. ولا جرم أن في هذه الدعوة المخلصة الخارجة من قلب خالطته بشاشة الإيمان بالله واليوم الآخر عبرة للمؤمنين في كل زمان ومكان.

طالع جميع أجزاء هذا القسم من المدونة من هنا

تعليقات