الصهيونية و مجزرة صبرا وشاتيلا 16 سبتمبر 1982



"اضطررت لوضع الأطفال في دلاء (جمع دلو) مليئة بالماء لكي أنقذهم من اللهب والنار. وبعد نصف ساعة، عندما أخرجتهم من الدلاء كانت أجسادهم ما تزال تحترق. وحتى في ثلاجة الموتى كان الحريق داخل جثثهم مستمراً" الطبيبة أمل شمعة، مستشفى باربر، 29 تموز 1982، بعد إطلاق الجيش الإسرائيلي قنابل فسفورية على غرب بيروت.
..


منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والصهاينة يمارسون المجازر المنظمة التي تسببت في إزهاق أرواح آلاف الأبرياء من الشعب الفلسطيني لإجباره على ترك أراضيه. ففي مثل هذا اليوم  16 سبتمبر 1982  إرتكب النظام الصهيوني  مجزرة صابرا وشاتيلا   التي حصلت إبان الإحتلال الإسرائيلي للبنان و دخلت التاريخ على أنها من أكبر وأشمل المجازر التي شهدتها الإنسانية. وفي هذه المذبحة المخيفة، التي حصلت بمساعدة وتوجيه  بعض قوات مليشيا الكتائب في لبنان ، قتل أكثر من 3000 شخص أكثرهم من النساء والأطفال. والأبحاث والتحريات المتعلقة بالمجزرة أشارت إلى أن وزير الدفاع حينها آرييل شارون هو المسئول عنها. وبسبب هذه المجزرة الدموية، أطلق على شارون لقب " سفاح لبنان ".
.


وفي المقالة التي كتبها بعد إنتخاب سفاح لبنان رئيساً للوزراء في إسرائيل، يصف خبير الشرق الأوسط الصحفي روبرت فيسك المشهد المريع الذي رآه بعد يوم واحد من المجزرة، فيقول:

بالنسبة إلى سكان صبرا وشتيلا فإن شارون بعد 18 أيلول 1982 ليس سوى سفاح ترك خلفه جثثاً منتفخة، وأطفالاً ونساءً اغتصبن وعذبن ثم قتلن. وبعد 18 عاماً فإن مشاهد المذبحة ما تزال ماثلة أمام عيني وأنا أتجول في هذه الشوارع. فعلى مقربة مني في الطريق المؤدية إلى جامع صبرا وشاتيلا أتذكر مشهد السيد نوري ذو الـ 90 عاماً بلحيته البيضاء وبيجامته وعمامته البيضاء وعصاه على الأرض بجانب جثته. وفي الزقاق الضيق رأيت جثتين لامرأتين ألقيتا على الأرض،  بجانب قدرين للطعام، ودماغيهما على الأرض. وامرأة أخرى بقر بطنها وعلى مقربة منها جثث أطفال زرقاء بسبب فسادها...... والذباب يتطاير فوق الدم المتجمد. وكانت الساعات مازالت تعمل في أرسغ (جمع رسغ) الجثث. وكان علي أن أزيح القطع والأعضاء المتناثرة لأصعد. وفي مقربة مني، رأيت فتاة  ما يزال الدم يسيل من ظهرها.
.


ويقول روبرت فسك في مقال آخر له حول المشاهد التي صادفها أثناء زيارته لجرحى المجزرة الذين تلقوا العلاج في المستشفيات:" هنا في مستشفى باربر لم يكن ما شاهدته من النوع الذي يمكن للمرء أن ينساه بسهولة. زيارة المستشفى تشرح ماذا يمكن للسلاح أن يفعله في الجسم البشري".
.
هذه الوحشية التي تتعرض لها النساء والأطفال والشيوخ أكثر من غيرهم كافية لإعطاء فكرة عن عقيدة الزعماء الإسرائيليين. فلقد كانت أكثر النساء المقتولات قد اغتصبن قبل قتلهن. والحوامل بقرت و قطعت أوصال وأعضاء أجنتها، كما قتل أطفال لا تتجاوز أعمارهم الثلاثة أو الأربعة أعوام أمام أعين عائلاتهم. وكانت أعين وآذان الرجال قد قطعت قبل إطلاق النار عليهم. ونشرت صحيفة Le Monde الفرنسية في 13 شباط 2001 مقابلة مع أحد الناجين من مجزرة صبرا وشتيلا عام 1982 وهو نهاد حماد الذي يبلغ 42 من العمر حالياً، ويقول حماد:

.... حاصرت القوات المسلحة الإسرائيلية المخيم ليلة الأربعاء إلى صباح الخميس. وكان هدفهم هو محاصرة الطرف الشرقي. وكان الفدائيون قد رحلوا. ولم يبق هنا سوى الشباب دون الـ 15 و16 من العمر..... وفي ليلة الخميس زادت شدة القصف إلى الضعفين. عندها فهمنا أن الأسلحة الخفيفة لن تفيد شيئاً. وقرر كبار السن وأهل الحل والربط أن يذهبوا إلى الجانب الإسرائيلي ويخبروه أن المخيم سوف يستسلم. رفعوا العلم الأبيض وخرجوا بسيارة نحو الإسرائيليين. لكنهم لم يعودوا. عندها خرج الشباب وبأيديهم الأسلحة بالاتجاه نفسه، ولم يعودوا هم أيضاً ولم يعد من خرج للبحث عن كلا المجموعتين. عندها تيقنا أن علينا أن نترك المكان فورا....... هرع مئات الأشخاص ركضاً نحو قاعة الاحتفالات في شمال المخيم، كان المكان مكتظاً لدرجة أننا كدنا نختنق. وفي هذه الأثناء، انقطعت أصوات القصف، وصرنا نسمع أصوات إطلاق نار متقطعة. وبعدها اخترق الصمت صوت نحيب إحدى النساء قادماً من جهة الجامع. كان شعرها شعثاً، وكان لباسها الممزق ملطخاً بالدماء، كانت تبدو وكأنها جُنَّت للتو. كان أطفالها الصغار مستلقين على حضنها ورؤوسهم مفصولة عن أجسادهم.... كانوا قساة جداً. استعملوا الخناجر والسلاح الأبيض لتنفيذ جرائمهم بصمت،.....وبعد أن أنهت الكتائب أعمالها القذرة في المخيمات، توجهت صوب مستشفى غزة لإنهاء أعمال قذرة أخرى هناك. أخرجوا الجرحى والأطباء والممرضات للخارج وقتلوهم. وفيما بعد، علمنا أن أعداد االقتلى والمفقودين كان بين 3000-3500.
.



هذه المشاهد المرعبة هي من منجزات آرييل شارون المعروف بمقولاته المستهترة من أمثال:" العرب يعرفوني وأنا أعرف العرب ". والذي قال عن الشعب الفلسطيني المسلم أنه:" حشرة يجب سحقها". والمعروف بأنه لم يتوان عن تشريد 160 ألف فلسطيني من القدس لوحدها. ومن بين وسائله لإنزال العقاب، تفجير بيوت الفلسطينيين وتهديم مخيمات اللاجئين بالجرافات (البلدوزر) واعتقال المئات من الشباب الفلسطينيين دونما أي سبب ثم تعريضهم للتعذيب الجسدي والمعنوي. وفي الفترة التي كان شارون مسئولاً فيها عن أمن غزة، اغتال مئات الفلسطينيين واعتقل المئات منهم وطردهم خارج فلسطين، ونسف في غزة وحدها  2000 منزل ونزّح -وللمرة الثانية- 16 ألف لاجئ. وبالإضافة إلى ضحايا صبرا وشاتيلا فإن عدد ضحايا الاحتلال الإسرائيلي للبنان كان 14 ألف شخص خلال عدة أسابيع (كان منهم 13 ألف مدني). كما حوّل نصف مليون فرد إلى أشخاص بلا مأوى.
.


إن الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني المسلم دون انقطاع في الخمسين عاماً الماضية مازال مستمراً حتى الآن. وبجانب ذلك، فإن هناك الكثير من المذابح التي نذكرها هنا والتي تعرض فيها المسلمون في فلسطين للموت تباعاً وبشكل يومي. وهاهي بعض الأمثلة على هذه المذابح وأعداد الشهداء فيها؛ مجزرة السموع عام 1966 ، 18 شهيدا. مذبحة عيثارون، 9 شهداء. مذبحة كونين، 16 شهيدا، مذبحة حانين عام 1976، 20 شهيداً. بنت جبيل 23، مذبحة عدلون عام 1978، 8 شهداء، مذبحة العباسية عام 1979، 80 شهيداً. ومذبحة صيدا عام 1980 واستشهد فيها 20 فلسطينياً.  وبجانب ذلك، فإن الكثيرين منذ سنوات طويلة يفقدون حياتهم يومياً أو يتحولون إلى مقعدين وفي كل يوم تنسف بيوت الكثيرين وينفى الكثيرون خارج أراضيهم وأوطانهم. وكما هو واضح فإن هدف دولة إسرائيل هو انتهاج سياسة تطهير عرقية لتضييق الخناق على الفلسطينيين وإخراجهم من أراضيهم وإجبارهم على قبول مطالبهم.
.

هناك شعب يتعرض للتقتيل والإبادة الجماعية أمام أنظار كل العالم. ولكن، والحال على ما هو عليه، فإن الكثير من الدول الكبرى تغض نظرها عن الأحداث اللاإنسانية والوحشية في فلسطين، ولا تتعدى إجراءاتها " شجب" سياسة العنف الإسرائيلية بين الحين والآخر.
.
أما خبير الشرق الأوسط المشهور، ناعوم تشومسكي، فيصف في كتابه " النظام العالمي: قديمه وجديده" نظرة دولة إسرائيل إلى الشعب الفلسطيني وتقييم خبراء التخطيط الأمريكيين لهذه النظرة، فيقول:

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن الإستراتيجيين الأمريكيين لم يكونوا يشكون في التقييم الذي أجراه خبراء الدولة الإسرائيلية عام 1948 بخصوص اللاجئين الفلسطينيين، والذي يتضمن ذوبان اللاجئين واندماجهم في مكان آخر أو سحقهم. فبعضهم سيموتون، وأكثرهم سيتحولون إلى درجات دنيا في المجتمع أو ينضمون إلى الطبقات الأكثر فقراً في الدول العربية. لذلك لا داعي للشعور بالقلق من أجلهم. ومع تطور الأحداث، تحولت هذه التقييمات إلى حقائق ملموسة في يومنا هذا، دون أن تتغير أو تتبدل.
.


إن توقعات الخبراء الإسرائيليين والأمريكيين هذه تحققت في يومنا هذا. وما زالت سياسة العنف والترويع التي انتهجتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني المسلم منذ سنوات قيامها الأولى حتى الآن مستمرة وبكل شدة. ومسلمو فلسطين يعيشون محناً تشابه التي مرّ بها الكثير من المسلمين طوال التاريخ. والله عز وجل يذكر المسلمين في ذلك العهد (بني إسرائيل) بظلم فرعون في كتابه العزيز:
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ
وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (سورة البقرة، 49)


وبلا شك، فإن الله تعالى في عون الصابرين. وسنته في الكون أن الخلاص للمؤمنين إيماناً خالصاً مهما كانت قواتهم ضعيفة وإمكانياتهم قليلة. ولكن، علينا أن لا ننسى أن هذا الامتحان ليس للمسلمين في فلسطين فقط؛ بل ولكل من يعرف ويشهد هذا الظلم ويسكت عليه. ذلك أن المسلمين – مهما كانت ظروفهم وأحوالهم - مأمورون بمناصرة المظلومين والمستضعفين. وفي هذا الوضع، فإن إزالة الظروف التي أدت إلى الإساءة إليهم إساءة جذرية ستكون أثمن وأفضل مساعدة يمكن تقديمها لهؤلاء المظلومين. وبمعنى آخر إن المساعدة الكبرى التي يمكن تقديمها للشعب الفلسطيني ( الذي يكافح في حرب وجود ) هو إعلان كفاح فكري ضد الفكر اللاديني الذي هو منبع لكل فوضى وصراع والذي هو الأساس الحقيقي للصهيونية.