القرآن يقرر بشكل قاطع حقيقة دين سيدنا إبراهيم عليه السلام


لقد اختلف الناس ودخلوا في جدال حول دين سيدنا إبراهيم عليه السلام فاليهود يدعون أنهم وحدهم أصحابه والسائرون على دينه والملتزمون بطريقه والنصارى مع قبولهم رأي اليهود، إلا أنهم يعتبرونه تابعا لسيدنا المسيح عليه السلام الذي جاء بعده ويختلفون في هذا مع اليهود وخلاصة القول أن اليهود يعتبرون سيدنا إبراهيم  يهوديا والنصارى مسيحيا والقرآن يقول كلمته في من يدعون بدون علم

( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ
كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ
شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) البقرة 140 

.
وفي آيات أخرى تسفيه لآراء اليهود والنصارى حول دين سيدنا إبراهيم
.
( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ
إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَتُحَآجُّونَ
فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) آل عمران 65-66


إذن فالقرآن هو الذي يقول لنا ويخبرنا عن القول الفصل الصحيح لأنه كتاب الله الوحيد الذي لم يدخله تزييف أو تحريف أو تبديل وإذا ما أتبع الناس سبيلا أو حكما غير القرآن فسوف يقعون في الأخطاء وينحرفون عن الصواب والناس عادة لا يتورعون أو يتوانون عن إعطاء رأيهم أو التعبير عن أفكارهم عما ورد وبكثير من التوضيح والتفصيل بين آيات القرآن الكريم

أما المؤمنون فإنهم متمسكون بكلام الله وما ورد فيه وما جاء في السنة النبوية فيما يخص موضوع سيدنا إبراهيم مثل غيره من المواضيع الأخرى ويعتبرون الدخول في مناقشات وجدال فيما يخص الأنبياء عليهم السلام من اختلافات لا طائل من ورائها لأنها ضرب من التخمين والدوران حول الشبهات وهذا ما لا يرضى عنه الله ومما لاشك فيه أننا نتعرف على الحقيقة المطلقة عن سيدنا إبراهيم من آيات الذكر الحكيم التي هي دلائل رحمة للناس وإرشاد المؤمنين إلى الحق المبين
.
(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)  آل عمران 67

والقرآن يقرر بشكل قاطع ودون شك أو تردد أو احتمال حقيقة دين إبراهيم عليه السلام وهو الحنيفيةالتي تعني التسليم لأوامر الله وحده والتمسك بدينه المبين دون غيره والإخلاص له دون قيد أو شرط وتأتي صفة الحنيفية لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام  قد وجد ربه واهتدى إليه آمنا به دون شريك له

في آية من القرآن يأمر الله عز وجل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم باتباع
دين أبيه إبراهيم عليه السلام  في قوله تعالى

.
( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) النحل 123 

 



كما يريد الله سبحانه وتعالى من الناس أن يكونوا حنفاء لله وحده لأن الوحدانية هي الفطرة الإنسانية المقبولة والملائمة للناس قال عز وجل

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) الروم 30


وترد الحنيفية كتعريف بدين سيدنا إبراهيم وهي في حقيقتها تتطابق مع الإسلام وفي حقيقة الأمر فإن جميع الأديان الحق هي الدعوة إلى معرفة الله والإيمان به وعبادته وإظهار الطاعة له وحده ثم العمل لنيل رضاه وكسب نعيمه هذا إذا لم يكن الانحراف قد دخله أو شابته الشوائب في أزمنة لاحقة فهذا الدين الحنيف التزم به من بعد سيدنا إبراهيم أبناؤه وأحفاده ومن جاء من أصلابهم وحاولوا الاحتفاظ به وهنا نجلب الانتباه إلى قول يوسف عليه السلام وهو في ظلمات السجون مع من معه الذي يذكر أنه من صلب جده سيدنا إبراهيم  ولا يزال على دينه

( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) يوسف 38

.

لقد احتفظ هؤلاء الأحناف بعقائدهم في التوحيد ونبذ الشرك بالله أينما كانوا وفي أي عصر عاشوا فيه مقتربين كثيرا من عقيدة الإسلام ومن المعروف أن الأنبياء جميعهم اشتركوا في تأدية الأمانة وإنجاز الواجب الأول والأهم لهم وهو نشر فكرة وعقيدة التوحيد ومحاربة الشرك والدعوة إلى نبذ الأخلاق الفاسدة والتحلي بالفضائل والمكارم وقد جاء تأكيد هذه الأسس والمبادئ في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الابتعاد عن كل مظهر من مظاهر الشرك بالله فعن عبد الله بن مسعود قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم ( أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك ) متفق عليه

وفي آية يذكر القرآن أن دين الإسلام دين يسر مثل دين سيدنا إبراهيم

( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) الحج 78   


وكما يفهم من الآية فإن لفظة المسلمون أطلقت على أتباع سيدنا إبراهيم عليه السلام ومن هم على عقيدته في التوحيد ونبذ الشرك ومحاربته وكما هو معروف في اللغة فإن كلمة المسلمون الإسلام مشتقة من مصدر السلام أي الدخول إلى الأمان والتسليم لله وحده وهذا صلب ما يبتغيه ويهدف إليه الدين الإسلامي وهو التسليم لله رب العالمين كليا والشعور بالأمان والسكينة والاطمئنان الإيماني
.
ولعل في سيرة الأنبياء الكرام خير قدوة ودليل لنا في تسليم أنفسنا وأمورنا جميعها لرب العالمين هؤلاء الرسل الكرام الذين أسلموا لله تعالى واستعاذوا به والتجئوا إليه وطلبوا منه وحده العون والمدد، مظهرين محبتهم له وسخروا حياتهم في سبيله وهذا ما يدل عليه وصفهم في القرآن الكريم جميعهم بـ  المسلمين وكما ورد في الآية مخاطبا سيدنا نوح  عليه السلام 


( فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ )  يونس 72


وفي السورة نفسها خاطب قوم موسى

( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ
بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ ) يونس 74


وأيضا قوله تعالى على لسان سيدنا سليمان لقوم سبأ

( أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) النمل 31

.
وأيضا قوله تعالى للمؤمنين
.
( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) الحج 78 

وفي سورة المائدة جاء الوحي الإلهي إلى الحواريين

( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا
وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ) المائدة 111

هذه الآيات جميعها تظهر مجمل أخلاق المؤمنين الصالحين من التسليم لله تعالى والتمسك بآداب الدين والإخلاص له وشرفهم الله بإطلاق اسم المسلمون عليهم ولنا في دعاء سيدنا يوسف عليه السلام مثال جميل

(وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ )  يوسف 38


وقد وردت آيات عديدة في القرآن الكريم تذكر فضائل سيدنا إبراهيم عليه السلام وجميل خلقه وحسن تصرفاته وإيمانه العميق بربه وطاعته وقبول أوامره برحابة صدر واطمئنان وهذه بعض منها

( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) البقرة 128 

( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) البقرة 131

إن على كل مسلم مؤمن أن يتخذ من أخلاق سيدنا إبراهيم عليه السلام وقوة إيمانه وتسليمه وتوكله على ربه المثل الأعلى والقدوة الصالحة وتأتي في مقدمة أخلاقه وشيمه العالية الثبات والعزم والصبر والتمسك بالعقيدة وأسلوبه عليه السلام في تبليغ رسالته ومجمل تصرفاته في هذا الشأن
.

لقد أكدت الآيات التي أوردناها إلى حقيقة كون سيدنا إبراهيم المثال والقدوة لجميع المؤمنين في كل زمان ومكان مثله مثل بقية الأنبياء والمرسلين الذين آمنوا بالحنيفية وأسلموا لله وهذا يأخذنا إلى أساس ومصدر جميع الأديان التي تمتد إلى دين سيدنا إبراهيم  غير أن الأديان مثل المسيحية واليهودية دخلتها العقائد الشاذة والآراء المنحرفة وزاغت عن مصدرها النقي بمرور الأزمان والأحداث وابتعدت عما جاء في التنزيل الأول والوحي الإلهي الذي كان ولا يزال يستهدف نشر التوحيد والقضاء على الشرك بالله الذي يعتبر رأس السيئات كلها والتوجه إلى الهدف والغاية العظمى من الحياة ألا وهي معرفة الله وإدخال محبته إلى القلوب والترابط معه والتقرب إليه

إن الشعور بالحب والتعلق والانتساب إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام لدى اليهود والنصارى هو ما يوحدهم مع المسلمين في هذا الهدف المحدد والأديان السماوية الثلاثة تشترك في الاعتقاد والإيمان بالله والعبودية له كما أراده سيدنا إبراهيم عليه السلام من الناس أن يفعلوه تماما لذا يمكننا اعتباره ودينه الحنيفية الأساس المشترك لنا نحن المسلمين مع أهل الكتاب مع الأخذ بالاعتبار دائما ما قاموا به من تأويل وتفسير وتحريف في دين إبراهيم عليه السلام  وفي آية يدعو القرآن المسلمين وأهل الكتاب إلى هذه الكلمة السواء المشتركة
.
( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ
وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن
تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) آل عمران 64   


قيام سيدنا إبراهيم عليه السلام بتبليغ دينه


لقد كلف كل نبي بمهمة الدعوة وتبليغ الرسالة وأوامر الله إلى الناس فالأنبياء جميعهم أرسلوا لإرشاد الناس إلى معرفة الله وتوحيده ونشر المكارم والفضائل والعيش بموجب ما يأمر به الله ويطلبه من عباده فقد أرسل نوح عليه السلام إلى قومه وصالح إلى قوم ثمود وشعيب إلى قوم مدين كما أرسل موسى وعيسى إلى بني إسرائيل غير أن هؤلاء قلما وجدوا الاستجابة وواجهوا الصد والمقاومة من قومهم حيث ضيقوا عليهم وفتحوا معهم أبواب الصراع والصدام واتهموهم وافتروا عليهم وكذبوهم وهددوهم ولجأوا إلى أساليب خبيثة معهم حتى وصل بهم الحال إلى معاملة هؤلاء الأطهار الشرفاء المبعوثين من لدن الله بكل قسوة وعنف إما بطردهم ونفيهم أو التهديد بقتلهم
.
ويذكر القرآن في سورة الأنفال كيف رد الله كيد الكافرين وتآمرهم على سيدنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم

( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ
اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) الأنفال 30




وكما سبق وذكرنا في الجزء الأول  كيف أن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا يعبدون أوثانا وأصناما صنعوها بأيديهم من الحجارة أو الخشب وظلوا لها ساجدين عابدين ينتظرون منها العون والمدد وتمسكوا بهذه العقيدة المنحرفة الفاسدة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. ولكن سيدنا إبراهيم عليه السلام كان من الإيمان العميق بربه والتوكل التام عليه وحده مما أمكنه من الوقوف وحده أمام طغيانهم وعنادهم

لقد كانت الأكثرية في أمم وشعوب مختلفة تعني السيطرة والتحكم وهذه الظاهرة برزت على مر التاريخ وقد كانت عقيدة وأفكار الأكثرية هذه تجبر الجميع على الالتزام بها باعتبارها الأساس السليم الصحيح ولهذا فإن الوقوف أمام الأكثرية في المجتمعات الجاهلية أمر في غاية الصعوبة ويبقى الكثير من الناس في هذه المجتمعات تحت تأثير وضغط الأكثرية رغم احتمال اختلافهم معهم فيما يحملونها من عقائد وأفكار صائبة وينصاعون رغما عنهم لقبول آراء الأكثرية المنحرفة

غير أن الأنبياء ومن اتبعوهم وآمنوا بهم من صالح المؤمنين ليسوا كهؤلاء لقد واجهوا بعزم وقوة وثبات الأكثرية الجائرة ووقفوا أمامهم وأظهروا من المقاومة والكفاح وبذل الجهود وتحمل المشاق والمصاعب والشجاعة والإصرار على نشر أوامر الله نواهيه والتمسك بدينه بإخلاص وتفان كل هذا بسبب إيمانهم بربهم والخشية منه وحده، والاعتماد عليه والاطمئنان إلى نصره لهم
.


لقد واجه سيدنا إبراهيم عليه السلام قومه المشركون لوحده
وقد أثنى عليه الله تعالى في هذه الآية

( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) النحل 120

حينما تحدى قومه وعلى رأسهم أباه أيضا وكان ينصحه بترك عبادة الأوثان وأن الإله الحقيقي الذي يستحق العبادة والعبودية له هو الله تعالى رب السماوات والأرض وخالق الأكوان وليس هذه الأصنام التي كان ينحتها بيديه من أشياء جامدة كالحجر والخشب وبهذه الطريقة السهلة والأسلوب اللطيف والدعوة الهادئة والصبر قام سيدنا إبراهيم عليه السلام  بدعوة قومه كذلك لإتباع دينه وعبادة الله وحده وترك الوثنية والشرك والجهالة وواجه العداء والبغضاء بالحب واللين وجادلهم بالتي هي أحسن معتمدا في كل ذلك على إيمانه العميق وتوكله الكامل على الله سبحانه إلى جانب ما كان يمتاز به من الشجاعة والقوة والثبات بفضل هذا الإيمان العميق


وهذه الآية تظهر الخصال الحميدة التي كان يتمتع بها 

( وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) الأنعام 80 -81

يتجلى في أسلوب الدعوة الذي إتبعه سيدنا إبراهيم مع قومه لمحات جميلة تدل على عمق الإيمان فقد كان يخاطبهم بكلام في منتهى الحكمة والمنطق السليم حبذا لو استفاد منه المسلمون اليوم هذه في تبليغ رسالة الإسلام وفي الأجزاء القادمة سوف نبحث بشيء من التفصيل ذكر بعض هذه المواقف التي تجلت فيها الحكمة والرؤية والمنطق العقلاني في تبليغ الدعوة
.