سيدنا إبراهيم ( عليه السلام) وما أعده من خطط متينة لمواجهة أهل الكفر وبيان مدى ضعف وسقامة معتقداتهم / تابع الجزء 05




كما ذُكر في القرآن، فإن الله تعالى يمنح لعباده المتقين قابلية التفريق بين الصواب والخطأ وهذه نعمة مخصوصة للمؤمنين دون غيرهم، وفضل كبير من الله عليهم. وأبرز مثال على هذا، ما أنعم الله به على سيدنا إبراهيم ( عليه السلام ) والذي تجلى في ما قام به من أفعال وأقوال في دعوة قومه إلى الإيمان ونبذ الوثنية والشرك، ثم ما اتخذه من قرارات حكيمة وخطط متينة لمواجهة أهل الكفر وبيان مدى ضعف وسقامة معتقداتهم والأصنام التي يعبدونها والملفت للنظر أنه قام بكل هذه الإجراءات لوحده أمام عموم قومه. وهذا لا يتأتى إلاّ بإعداد جيد وتنظيم دقيق وحساب محكم للخطوات التي ستتخذ. ومثال على ما قام به لدفع غائلة الكفار والمشركين، ادعاءه المرض لإبعادهم عنه:

(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) الصافات 85-90

وبعد أن أبعدهم عنه ذهب إلى الأوثان وقام بتحطيمها ونثر شظاياها :(فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ)الصافات91-93
وفي آية أخرى {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ }الأنبياء 58

ومن صور حكمته وحسن تدبيره وسداد تفكيره، ترك أحد الأوثان سليما. وعندما جاء المشركون إلى معبدهم رأوا أصنامهم محطمة متناثرة عدا أكبرها فلا زال قائما، وبحثوا عمن فعل هذا بآلهتهم واتجهت أنظارهم إلى سيدنا إبراهيم ( عليه السلام ) لما عرف عنه من عداء للأصنام، ثم وجدوه وأمسكوا به:

( قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ) (الأنبياء 59 -62)
.
هذا الموقف يفسر لماذا ترك أكبر الأصنام سليما ( قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) (الأنبياء 63 )

وعلى أثر هذا الجواب المفحم، راجع المشركون أنفسهم وشعروا بعجز آلهتهم عن النطق والقيام بأي تصرف واصطدموا بالحقيقة من أنها ليس باستطاعتها حتى دفع الأذى عن نفسها. وبفضل هذه الخطة الحكيمة انكشفت الحقائق أمام أبصارهم.
( فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ) (الأنبياء 64)

غير أن تأثير هذه الصدمة سرعان ما انحسرت أمام عناد المشركين، ورجعوا إلى ما وجدوا عليه آباؤهم وتمسكوا به، وكذلك خشيتهم من خسارة المكاسب والمنافع التي كان يؤمنها لهم هذا النظام الوثني المتوارث:

( ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) (الأنبياء 65 - 68 )
.
من سير الأحداث هذه، تظهر لنا دقة التخطيط ومتانة التصميم الذي أعده سيدنا إبراهيم ( عليه السلام ) ابتداء من إدعاء ( المرض) الذي أبعد قومه عنه تاركا المجال أمامه للتصرف بحرية، ثم تحطيمه الأصنام جميعها عدا أكبرها. وقد فعل هذا لعلمه وتقديره بردة فعل قومه. هذه جميعها إنما نتيجة رعاية الله له وإلهامه إليه بهذه الخطط المحكمة والآراء السديدة ولما كان يتمتع به سيدنا إبراهيم ( عليه السلام ) من رأي راجح وفكر نيرّ. وهكذا نرى آثار فضل الله عليه في جميع ما عمله وأوصله إلى النجاح الذي تحقق له.

وحينما ادعى أن كبير الأصنام قام بتحطيم الأصنام كلها، فكأنما وضع المشركين أمام محاكمة واستنطاق وتحقيق. وبذلك تحققت الخطوة الأولى من خطته التي اعتمد فيها التدرج والخطوات اللاحقة.

ولعل من الأسباب التي دفعته إلى تحطيم الأصنام، إظهار مدى سخف وتفاهة فكرة الشرك وعبادة الأحجار الصماء وعدم عقلانية هذا المعتقد الذي لا يتلاءم مع العقل والمنطق وأراد أن يشعرهم بالخطأ الكبير من صنع هذه الأصنام ثم عبادتها وتقديسها والخضوع لها. وكذلك مدى الانحراف والابتعاد عن الطريق الصحيح، وعن سبيل الحق الإلهي وتقاطعه مع الوحي المنزل لإرشاد الناس وإخراجهم من الظلمات.

إن مجرد التفكير بأن هذه الأوثان لا تتحرك، ولا تأكل أو تشرب، ثم هي قادرة على إلحاق الأذى وتأمين المنافع، يدل على ضحالة في العقل والتفكير. فكيف الحال إذا ما قام الناس بطلب العون والمدد منها عند وقوعهم في مصاعب وشدائد والتضرع إليها. بل وتجاوز الأمر عندهم عندما ادعوا وآمنوا أن هذه الأحجار الصماء هي التي خلقت الكائنات وما فيها وتتحكم في إدارتها وتنظيمها وتوزع الأرزاق والمعاش وتبعث الحياة وتجلب الموت، ولها القدرة على جلب الأمراض ثم الشفاء منها. إلى هذا الحد كانوا فقراء ومحرومون من العقل السليم والتفكير الرصين والرأي السديد. ويلخص لنا القرآن ضحالة وضعف موقف المشركين هؤلاء:

( وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ) (الأعراف 192 - 193 )

(إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ)                   ( سورة الأعراف 194 - 195 )

ومن الخطأ التصور إن هذا الإدراك الضعيف المنحرف محصور بزمن النبي إبراهيم ( عليه السلام). لأن عبادة الأصنام مستمرة ولا زالت قائمة إلى أيامنا هذه، وربما تحت أسماء وشعارات أخرى. وما كان يؤمن به المشركون قريب الشبه بما يجول في أفكار أنصار " داروين" من المدعين بالتطور.

تعليقات