ماذا تعني الرومنسية في الحياة اليومية ؟ تابع الجزء 06




في هذا الجزء  سنحلل آثار الرومنسية في حياتنا اليومية. لكن لا بد لنا قبل الولوج في هذا الموضوع أن نفصل القول في معنى فكرة "الحكمة" التي أكثرنا من ذكرها فيما سلف من أجزاء هذا الموضوع ( الرومانسية سلاح بيد الشيطان ).

إن الفرق الجوهري بين الشخص الحكيم والشخص الذكي يعزب في الغالب عن الملاحظة، وهذا خطأ فادح. فكلمة "الذكاء" تستخدم بوجه عام في مجتمعاتنا ويراد بها الإشارة إلى مضاء العقل وهي جد مختلفة عن الحكمة.

إن الحكمة هي صفة المؤمن الذي يستطيع إدراك آيات الله الخفية المبثوثة في الكون وما فيه من مخلوقات بما يتيح له فهم العالم الذي يحيط به، إلا أن أي محاولة للتعامل مع هذه الأشياء من خلال الاعتماد الصرف على قدرة العقل على احتساب النتائج والمقدمات، ستنتهي لا محالة إلى تصور ميكانيكي ضيّق للواقع. أما الذكاء فهو صفة المؤمن القوي الإيمان بربه، والذي يحيا وفق تعاليم القرآن. فالذكاء سمة فسيولوجية يمتلكها كل الناس مع اختلاف في أنصبتهم منها، إلا أن الحكمة صفة لا تكون إلا للمؤمنين. أما غير المؤمنين فلا نصيب لهم منها.

تتيح الحكمة للمؤمن استخدام ما عنده من ملكات العقل والمنطق استخداما راشدا والشخص الذي لا حكمة عنده، وإن يكن ذكيا، لا يسلم من انحراف التفكير وفساد الحكم. ولو تتبعنا  الفلاسفة غير المؤمنين عبر التاريخ فسنرى أنهم قد طرحوا أفكارا متباينة بل ومتعارضة أحيانا بشأن موضوع واحد. ورغم حقيقة أنهم أشخاص أذكياء إلا أنهم عٌطٌل من الإيمان وتنقصهم الحكمة مما يجعلهم عاجزين عن إدراك الحقيقة. والحق أن بعضهم قد أوقع البشرية في أخطاء يأتي دونها الحصر. ولو نظرنا في التاريخ الحديث لوقعنا على شواهد كثيرة على ذلك. لقد أوقع مفكرون وفلافسة ورجال دولة لا ينقصهم الذكاء من أمثال ماركس وأنجلز ولينين وتروتسكي، أوقعوا ملايين من البشر في أوخم الكوارث، وذلك لعجزهم عن استخدام عقولهم بكفاءة. فالحكمة ضمان للسلام والخير والسعادة، وسبيل إلى بلوغ هذه الفضائل.

يمكننا الذكاء، إلى جانب أشياء أخرى، من التفكير والتصور والتركيز والانتباه ومباشرة أنشطة عملية. لكن إلى جانب هذه جميعا، يمتلك الشخص الحكيم فهما عميقا لا يوفره الذكاء بمفرده، ويستطيع بهذا الذكاء أن يميّز بين الحق والباطل. ولهذا فإن الشخص الحكيم يمتلك رؤية تسمو كثيرا على رؤية الشخص الذكي.

إن أصل الحكمة، كما سلفت الإشارة، عمق الإيمان بالله والخوف منه. والذين يتقون ربهم ويقفون عند حدوده يهبهم ربهم هذه الرؤية العلوية. إن هذه الحالة التي يشير الله إليها في القرآن بقوله: {مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ }المائدة103 تنتج من افتقار معظم الناس إلى الإيمان الحق بعد أن أرخى ليل الكفر سدوله على حياتهم.

إن الحكمة التي آتاها الله من يخشونه بالغيب ويحيون وفق مبادئ القرآن تجعل المؤمن الحق أرفع من  غير المؤمن بوجوه كثيرة. وإن أهم مكونات هذه الحكمة هي إدراك المؤمن لهيمنة الله الدائمة على كل الأمور ووعيه بحقيقة أن كل شيء يأتي إلى الوجود وفق القدر الذي قدره الله تبارك وتعالى واستشعاره لمعية الله ورقابته في كل لحظة من لحظات حياته. بالإضافة إلى أن الحكمة تمنح المؤمن القدرة على التكيف مع تغير الظروف وتبدل الأحوال .إن عمق بصيرة المؤمن وأصالة فكره وفطنته ووعيه وقدرته الفائقة على التحليل ونبل أخلاقه وقوة شخصيته ورصانة أفعاله وأقواله، كل أؤلئك مردود طبيعي لما أوتي من حكمة. 

تصور أن هذه المزايا الرفيعة التي وصفناها تنطبق على المجتمع بكامله. تصور المنافع التي تعود على مجتمع قوامه أفراد يفكرون قبل أن يقدموا على أي قول أو عمل. تأمل في وضع مجتمع يتسم أفراده بالحكمة. لا جرم أننا جميعا بحاجة إلى وجود أناس حكماء من حولنا لضمان راحتنا وصحتنا وأمننا وهنائنا. كما أن وجود الأشخاص الحكماء لا غنى عنه في منع الفوضى والاضطراب وفي إيجاد الحلول للمشكلات التي تنبت منها هذه الظواهر. ومن ذلك يتضح أن مفتاح الحل لأي مشكلة هو الإقرار بالحاجة إلى الحكمة.

لا ريب أن الحكمة هي أهم شيء يقتنيه الإنسان، وبالحكمة يستطيع الإنسان نفع الآخرين أكثر من غيره وذلك لأن الخلق الذي ينميه الإيمان في شخصية الإنسان، يجعل هدفه الأسمى هو إرضاء خالقه. ويبدي مثل هذا الشخص صفات المؤمن الحق التي وصفها القرآن في جميع أطوار حياته، فيدافع عن المستضعفين ويرفق بالمشردين ومن انقطعت بهم السبل والمحتاجين ويستشعر المسئولية عن إعلاء شأن العدل ولا يرضى أن يرى إنسانا تنهشه مخالب المسغبة. وتمكنه حكمته من تطبيق تعاليم القرآن في حياته واستشعار مسئوليته الاجتماعية. إننا جميعا ننشد أمثال هؤلاء الناس الذين يسخرون عقولهم لتذليل المشكلات واتخاذ أنسب الإجراءات وفي اسداء النصح والتوجيه. وثمة خير كثير فيما يصدر عن هؤلاء الناس من قول أو عمل.

إن إدراكنا لأهمية الحكمة يجعل من السهل علينا إدراك الخطر الداهم الذي يشكله غياب الحكمة، وهذا الخطر يهدد كلا من الفرد والمجتمع بوجه عام ومن المفيد في هذا الصدد أن نمعن النظر في المشكلات التي  ينشئها غياب الحكمة. إن أحد أهم نواقض الحكمة هو الفساد الروحي الذي تحدثنا عنه في الأجزاء السابقة من هذا الموضوع، أعني الرومنسية.

ماذا تعني الرومنسية في الحياة اليومية؟

سبق أن قلنا أن الرومنسية هي أن يتصرف الشخص وفق ما تمليه عليه عواطفه لا وفق الحقائق التي يتوصل إليها باستخدام العقل والحكمة. والرومنسية داء روحي متمكن من كل فرد من أفراد المجتمعات الوثنية والملحدة. ورغم تفاوت تأثير الرومنسية من شخص لآخر إلا أن بعض الأشخاص أكثر عاطفية من الآخرين. ولا سبيل لمن لا يأبه للقرآن ولا يكترث للدين أن يحمي نفسه من شرور الرومنسية. ولا سبيل لاجتثاث الرومنسية إلا بالتصرف بحكمة، أي بالتصرف وفق التعاليم الخلقية التي تضمنها القرآن، وذلك لأن من لا يحيا وفق هدى القرآن لا يمكنه استخدام عقله بفعالية.

رغم كون الرومنسية مرضا روحيا إلا أنها معيار شائع جدا في المجتمعات الجاهلية يحكم به على خيرية الإنسان أو عدمها. وقد أثرت على أغلب الناس في هذا المجتمعات إلى حد أصبح معه الأشخاص الذين يتسمون ببطء الانفعال العاطفي عرضة للاتهام بتحجر القلب وقسوة المشاعر.

هل يمكن للرومنسية أن تكون بريئة جدا وغير ضارة كما هو معتقد؟ لو أجبنا عن هذا السؤال بصدق فسنكتشف أن الرومنسية تفضي إلى مآلات وخيمة. وقد رأينا في الأجزاء السابقة  من هذا الموضوع الآثار الواضحة للرومنسية على الصعيد الاجتماعي إلا أن لها أيضا آثارا مدمرة جدا على الحياة اليومية. والرومنسية هي أحد أهم أسباب معاناة بعض الناس وشكاواهم الناشئة من قضايا كثيرة يعجزون عن الإتيان بحلول لها.

لكن ولأن حل جميع المشكلات والمخرج من كافة المعضلات مبسوط في القرآن، فإن المجتمعات التي تتخذ من القرآن منار هداية تنعم بجميع الفوائد التي تجلبها الحكمة: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (المائدة/ 15-16)

اعتدنا منذ أيام يفاعتنا وإلى يوم الناس هذا على رؤية أشخاص لهم استعداد للبكاء لأي سبب، كأن يبكون مثلا بسبب حادثة ظلم قرأوا عنها في الصحف أو رؤية شخص جائع على شاشة التلفاز. وحين نرى هؤلاء الناس يعبرون عن تعاطفهم مع الآخرين نفترض فيهم حياة الضمير، في حين أن مثل ردة الفعل العاطفية هذه لا تكون ذات قيمة إذا لم تتجاوز سكب العبرات وتوجيه الاتهامات. إن ما لا تعكسه ردة الفعل العاطفية هذه هو الاهتمام النشط والجاد بخير المحرومين ومعاناتهم، إذ يجد هؤلاء الأشخاص متعة في البكاء والتعاطف مع شخص مبتلى لكن لا يفعلون أي شيء لتفريج كربته. كما يفضلون -على مستوى اللاوعي- أن يحيوا في حالة من الرومنسية المجردة. ومن المثير أن هؤلاء الناس ينزعون إلى التشاؤم وفقدان الأمل والحزن واليأس والاكتئاب وغير ذلك من المشاعر السلبية التي أوقع الشيطان فيها بني الإنسان عن طريق الرومنسية.

لكن ثمة جانب آخر مهم في هذا الأمر يتعين النظر فيه، فلو كان على المرء أن  يقترح عليهم أن ينهضوا ويفعلوا شيئا بدلا من الاكتفاء بذرف الدموع أمام شاشات التلفاز لأنها لا تقدم ولا تؤخر، فسيحاولون الهرب من ذلك بانتحال الأعذار كأن يقولوا: "ماذا عسى أن نفعل؟" و "إنما أنا فرد واحد واليد الواحدة لا تصفق".

يفاقم الأشخاص العاطفيون من غلواء التشاؤم بأن يوحوا بأن هذه أو تلك مشكلة معقدة وتستعصي على الحل مما يدفع أمثالهم من الآخرين إلى إبداء ذات الشعور بفقدان الأمل إن كثيرا من السجايا الخلقية الحميدة تفقد قيمتها حين ترتبط بالرومنسية إلى حد يجعلها خطرة أحيانا. فالرحمة مثلا شعور أخلاقي حض عليه القرآن لكنه قد يساء استخدامه من قبل شخص عاطفي يبدي تعاطفا مع الظالم ويمتدح فعاله ويتقبل ظلمه وعدوانه. وفي مقابل ذلك لا يرى الشخص العاقل أي مسوغ  لأي موقف أو سلوك أو فكرة ترتبط بالرومنسية، وذلك لأنه طالما تغلغلت هذه النزعة العاطفية في مسارب الروح فإن جوانبها الأشد خطرا قد تطفو إلى السطح في أي وقت بحسب الأحوال والظروف.

والآن يتعين علينا الإشارة إلى الفروق بين الرحمة والنبل وبين العاطفة. يبين الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم أن مشاعر الرحمة والنبل والسماحة تتجلى بأفضل صورها في أشخاص الرسل عليهم السلام. والرومنسية هي النقيض المباشر للموقف الأخلاقي الذي يمتدحه القرآن ويحض عليه. والمؤمنون ليسوا عاطفيين ولكنهم يتسمون بنبل المشاعر وعمق الإنسانية.  وبعبارة أخرى، الأنبياء أفراد متزنون ويتحلون بحكمة رفيعة ومزايا خلقية سامية.  وقد تحدث الله في القرآن عن سموّ خلق نبي الله إبراهيم عليه السلام: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) (هود/ 75).

يجب أن لا ننسى أن الرومنسيين يكتفون بإبداء التعاطف مع الآخرين لكنهم لا يفعلون شيئا لإنقاذهم مما هم فيه. في حين يستفرغ الشخص الرحيم وسعه في إعانة الآخرين على تجاوز أزماتهم وحل مشكلاتهم والأخذ بأيديهم لتجاوز الصعاب. وهذه هي الرحمة الفعلية والحب الحقيقي.

تعليقات