التطوّريون: مثال من حاضرنا على إنكار وجود الله على الرغم من اعتراف الضمير بهذه الحقيقة

إنّ رفض رؤية الحقائق الجلية وتحويل النظر عنها وتجاهل وجودها، يحطّ من قدر الإنسان على الرغم من ذكائه · إن السبب الذي يجعل الإنسان يرفض الحق الذي يمليه عليه ضميره، هو تعارض ذلك مع مصالحه الشخصية لأنّ تسليم الإنسان بوجود الله عز وجل يعني إقراره بوجود إله عظيم، يستحق أن يكون الإنسان خاضعاً له بكليته، وأن يكون مسؤولاً أمامه عن أفعاله ·

عندما يصم الإنسان آذانه عن صوت ضميره فإن ذلك يقوده إلى الضلال على الرغم من  ذكائه ومعرفته· وسنورد مثالاً معروفاً عن هذه الحالة : (فرانسيس كريك) هو أحد العلماء اللذين اكتشفوا تركيب الحامض النووي في الخمسينيات· وقد كان اكتشافه هذا واحداً من أهم الاكتشافات في تاريخ العلم الذي اقتضى عملاً دؤوباً وكماً هائلاً من المعرفة، وفوق ذلك ذكاءً شديداً، وتقديراً لذلك كله فقد نال جائزة نوبل· وقد ذهل فرانسيس كريك خلال دراسته بتركيب الخلية وتصميمها الدقيق وعلى الرغم من أنه مؤمن بمذهب النشوء ومتحمس له فقد قال في كتابه :

'' إن أيّ شخص صادق واستناداً إلى المعرفة المتوفرة الآن لا يمكن له إلا أن يُقرَّ أن أصل الحياة ليس إلا معجزة· فكثيرة هي الشروط التي لا بد من توفرها لاستمـرار هـذه الحيـاة''· ( الحياة: منشؤها وطبيعتها، فرانسيس كريك، نيويورك: 1981 .)

عندما رأى
فرانسيس كريك تفاصيل الخلية كتب تلك الأسطر التي أتينا على ذكرها والتي أقر فيها بأن الخلية لا يمكن أن تكون نتيجة مصادفة، وإنما هي معجزة، على الرغم من كونه مؤمناً بأن الحياة قد وجدت بالمصادفة· إن أصحاب مذهب النشوء لا يؤمنون بأي تفسير غير المصادفة؛ لأن ذلك سيكلفهم أن يقروا بوجود الله عز وجل· فرانسيس كريك الذي تأثّر بما رآه من كمال ودقة في خلق الخلية، حيث اعترف بذهوله على الرغم من تبنيه لنظرية مختلفة، لم يمضِ في اتباع ضميره، ورفض التسليم بوجود الله عز وجل، وعاد إلى القول: إنّ هذا التدبير المتكامل الذي لا يمكن بشكل من الأشكال أن يكون قد وجد بالمصادفة قد أوجدته كائنات من عالم آخر، وهي التي جلبت عيّنة الحامض النووي الأول، وبهذا الشكل بدأت الحياة ·

هذا مثال حي عما يمكن أن يحدث عندما يتجاهل الإنسان صوت ضميره ويكبحه، فالنتيجة واحدة بغض النظر عن مدى ذكائه ومعرفته، كهذا العالم الحائز على جائزة نوبل حين ألغى عقله لدرجة لم يستطع معها أن يتوقف ليفكر ويسأل نفسه: كيف يمكن لهذه الكائنات المزعومة أن تخلق وهي نفسها مخلوقة ؟ وقد شرح عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي ميشيل بيهي  حالة هؤلاء العلماء الذين يتجاهلون صوت ضميرهم دون أن يستعمل كلمة الضمير حين قال :

''على امتداد العقود الأربعة الماضية كشفت الكيمياء الحيوية الحديثة أسرار الخلية· وهذا التقدم لم يكن بالأمر السهل، فقد اقتضى أن يكرس عشرات الآلاف من الناس أفضل مراحل عمرهم بالعمل الجاد في المختبر ''· ونتيجة تراكم هذه الجهود في دراسة الخلية ودراسة الحياة على المستوى الجزيئي ظهرت صيحة مدوية وحادة تقول '' بالتصميم المبدع ''!

'' إنها نتيجة واضحة وهامة ولا بد أن تصنف على أنها واحدة من أعظم الإنجازات في تاريخ العلم، بل إنها نصر علمي كان من المفروض أن تجعل آلاف الحناجر تصرخ ··· وجدتها وجدتها، وتصفق لها آلاف الأكف حتى إنها تستحق يوماً من الراحة بعد هذا الاكتشاف العظيم · ولكن شيئاً من ذلك لم يحصل فلم يصفق أحد لهذه المناسبة، وبدلاً من ذلك أحاط صمت محرج وفضولي اكتشاف هذا التعقيد الشديد للخلية ·''

'' وعندما طرح الموضوع في العلن بدأت الأرجل ترتجف وتثاقلت الأنفاس وأقر الكثيرون الحقيقة بشكل واضح، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً سوى هز رؤوسهم والتحديق في الأرض، ومضى الأمر كما بدأ· فلماذا لم يتبنَّ المجتمع العلمي هذا الاكتشاف المذهل بجشع كعادته؟ ولماذا تمّ التعامل مع حقيقة هذا التدبير بشكل عقلاني صُرف بعيداً عن تدخل الخبرة والحس؟ المعضلة كلها تكمن في أن ما يمكن تفسيره على أنه تدبير بارع، هو من ناحية أخرى برهان ساطع على وجود الله الخالق ''(صندوق داروين الأسود، نيويورك،المطبعة الحرة 1996 ص232 ـ 233)


إن أدلة وجود الله عز وجل جلية وواضحة لكل من يدرك أن من أبدع الكون هو الله، والذين لا يقبلون الاعتراف بوجود الله عز وجل لا يفعلون ذلك بسبب عدم إيمانهم؛ وإنما لأن هذا الإيمان يفرض عليهم قيوداً أخلاقية، فليس من أحد إلا ويعرف ضمنياً بوجود الله عز وجل وقدرته على كل شيء، ولكن هذه المعرفة ترتب عليه أن يكون مسؤولاً أمام الله ويكرس حياته لإطاعة أوامره· وهذا الذي يصر على الإنكار رغم إدراكه لهذه الحقائق إنما يفعل ذلك لأن تسليمه بها لا يتوافق مع مصالحه الشخصية ولا مع شعوره الداخلي بالتفوق· وقد وصف الله تعالى هؤلاء في القرآن في سورة النمل :{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }النمل14

إنّ قصة سيدنا إبراهيم مع قومه كما ذكرت في القرآن الكريم مثال جيد، فقد كان الناس في عهد سيدنا إبراهيم يعبدون الأوثان، ونقصد هنا بالأوثان: كل ما عبد من دون الله تعالى· وعباد الأوثان ليس هؤلاء الذين يعبدون الأصنام فقط··· فأصحاب مذهب النشوء الذين يؤمنون بأن الذرات والزّمن والمصادفة هي العوامل التي أوجدت الحياة يؤلهون هذه العوامل· ومهما يكن فلا الزّمن ولا المصادفة يمكن بشكل من الأشكال أن تكون قادرة على خلق الحياة··· وحده الله عز وجل له تلك القدرة · ونعود  :

(قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ)               الأنبياء: 56 – 63 .

ووجد الكافرون أن الأصنام التي يعبدونها لا يمكن أن تجيب على تساؤلاتهم وأن آلهتهم هذه ليست إلا تماثيل عاجزة حتى عن الدفاع عن نفسها، فكيف بالخلق؟!! وعندها عادوا إلى ضمائرهم ·  (فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ ) الأنبياء: 64 ـ65 .

ولم يمض زمن طويل حتى ارتدوا إلى ما كانوا عليه ومنعهم تكبرهم وغطرستهم عن الإقرار بما أملته عليه ضمائرهم، فقال لهم سيدنا إبراهيم :

(قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُون) الأنبياء: 66 ـ67 .

أصاب الكافرين الفزع فقاوموا بشدة ما كشفته وقبلته ضمائرهم، ولهذا شعروا بكره شديد تجاه هؤلاء الذين كشفوا لهم الحقيقة وخاطروا بأنفسهم حين حاولوا قتل الرّسل من أجل حماية معتقداتهم الباطلة فقالوا :(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ) الأنبياء 68

إن هذه القصة ليست محصورة في شريحة معينة من المجتمع وإنما تنطبق على الكثيرين يمكن لشخص أن يكون عالماً متميزاً له الكثير من الاكتشافات أو رجل أعمال ناجح أو فنان ··· يمكن أن يكون غنياً مثقفاً وذكياً، ولكن بدل أن يستخدم ضميره للتفكر في الله عز وجل وتمجيد قدرته وإبداعه وشكره على منحه نعمة إدراك ما حوله، فإنه يكون مغروراً ومتبجحاً بذكائه واكتشافاته، وربما بأمواله التي جناها متناسياً بأنه لا شيء من ذلك قد يفيده بعد الموت· حتى إن الأسماء التي اشتهرت في وقتها بسبب مكتشفاتهم وثرواتهم أو عروشهم أصبحت منسية تماماً منذ زمن طويل، ولو أنهم ذكروا فإن ذلك لن يفيدهم شيئاً بعد موتهم ·

هؤلاء لم يعيروا اهتماماً لأوامر الله عز وجل، ولم يدركوا قوته، ولم يقدّروا نعمته عليهم، ختم على قلوبهم وضمائرهم فضلّوا · وصف الله عز وجل هؤلاء الذين تعدوا حدود الله في سعيهم وراء مصالحهم وأهوائهم :

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ الجاثية) 23 – 24 .

يصف الله تعالى هنا هؤلاء الذين تجاهلوا أصوات ضمائرهم وارتكبوا الآثام بسبب الخبائث التي تنطوي عليها نفوسهم بأنّهم صمّ وعمي وقلوبهم غلف، بحيث لم يستطيعوا إدراك الخطأ من الصواب، وقادهم ذلك إلى ما هم فيه من الضّلال ·



تعليقات