الحكم الإلهية من وراء الأمراض


إن الناس الذين يعيشون  في مجتمعات الجاهلية  يخططون  باستمرار للمستقبل ويأملون أن تتقدم خططهم كما يرغبون وهنا تكمن المشكلة  فحدوث مرض غير  متوقع أو حادثة معينة تلقي بحياتهم  في فوضى تامة حيث أن تلك الأحداث  لم  تكن داخلة  في  خططهم المستقبلية و عندما  كانوا يتمتعون  بكامل عافيتهم  لم  يفكر الكثير منهم  أبدا  أن مثل  تلك الأحداث -  مع  أنها تحصل  للآلاف  كل  يوم  -  قد  تحدث  لهم

لهذاعندما يُواجه هؤلاء بمثل تلك الأحداث غير المتوقعة فإنهم يفقدون فورا صوابهم ولا يعرفون ما يفعلون فهم ينكرون حقيقة القدر و يقولون "لماذا حصل لي هذا ؟ " والسبب أن هؤلاء البعيدين عن التمسك بالأخلاق القرآنية ينزعون إلى عدم التوكل على الله في أوقات الشدة أو المرض أولا يبحثون عن الخير فيما يحصل لهم.

إنّ هؤلاء الذين لا يدركون حقيقة القدر, يعزون سبب المرض لمجرد الفيروسات أو البكتريا. وبالمثل, عند تورطهم في حادث سير, فهم يعتبرون أن سائق السيارة الأخرى هو السبب في الحادثة. بينما الحقيقة لها صورة مختلفة تماما. فكل ما يسبب المرض, من بكتيريا أو ميكروب أو أي شيء يسبب الأذى للإنسان, في الواقع مخلوقات خلقها الله تعالى وهي مجرد أسباب. فلا شيء من هذ الأشياء أسباب "عشوائية" فهي تمتثل لحكم الله تعالى و الإنسان قابل للتأثر بالميكروبات لأن الله أراده كذلك. وإذا حل بإنسان مرض خطير بسبب فيروس ما, فذلك يحدث لأن هذا ضمن علم الله و إرادته.


لو أن سيارة صدمت إنسانا, فتركته مقعدا, فهو أيضا حدث أوجد بإرادة الله. وهو لن يستطيع أبدا أن يغير مجريات تلك الأحداث ولا حتى واحدة منها مهما ناضل لتجنبها. فهو لا يستطيع أن يمحو لحظة واحدة من قدره, هذا لأن القدر قد خلق كوحدة واحدة. ولإنسان مستسلم لربه العظيم واثق  في حكمته ورحمته المطلقة حدث أو مرض كهذا أو ما شابهه ما هو إلا محنة مؤقتة توصل للنعيم المطلق في الجنة إنّ الصفات الأخلاقية الحسنة التي يتمسك بها الإنسان في ظروف كتلك, هي الأمر المهم  فالأمراض و الحوادث هي الوقائع التي يملك المؤمنون الفرصة ليقدموا إزاءها البرهان على صبرهم  وحسن أخلاقهم, وبواسطتها يستطيعون أيضا التقرب من الله تعالى. وفي القرآن الكريم, يتحدث الله تعالى عن الأمراض في حين أنه تعالى يسرد لنا أهمية الصبر في تلك الأوقات.  
         
( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )  البقرة:177



إنّ حقيقة اعتبار الأمراض في هذه الآية من ضمن المحن يستحق بعض التأمل والتفكير فالإنسان عندما تواجهه مشكلة صحية عليه أن يتذكر دوما أنها امتحان له وأن الله تعالى هو فقط من يجلب الأمراض و يشفي منها هذا هو المنطق اللازم للحفاظ على سلوك أخلاقي سليم  فالإنسان ينتفع من تفكيره بالخير و الهدف الإلهي من وراء المرض الذي يعاني منه أو الحادثة التي ألمت به مع أنه قد لا يتمكن من فهمها في الحال  لربما كان عليه أن يمر بصعاب مؤقتة ولكن هذا الإنسان وهو العبد الذي أذعن لله بصدق سوف يفوز بالنعيم المطلق.

فعلينا جميعا أن نبقى ذاكرين مع ذلك و أنه من المهم إدراك هذه الحقيقة في أعماق قلوبنا و أن نحافظ على الأخلاق العالية فور إصابتنا بحدث ما و للوصول إلى هذه الغاية من الضروري أن نعلم أن كل الأمراض وجدت لهدف و لو أراد الله تعالى لما أصابنا أي مرض ولبقي الواحد منا صحيحا لا يمرض أبدا ولكن هذه الأمراض هي لغاية ما فإذا ما ابتلي الإنسان بمحنة ما فعليه أن يدرك أنها لهدف وهذا يساعده في فهم زوال هذه الحياة الدنيا و قدرة الله المطلقة.


الأمراض تذكر الإنسان بضعفه وحاجته إلى الله تعالى

في أوقات المرض تهجم البكتيريا والفيروسات على الجسم القوي فتجعله منهكا متعبا و كما هو معروف فإن كثيرا من الأمراض تسبب الألم و تترك الجسم واهنا ضعيفا وفي بعض الأحيان قد لا يقوى الإنسان على النهوض من فراشه أو القيام بأعماله اليومية ولأن هذا الإنسان غير قادر على مقاومة فيروس صغير غير مرئي  يزداد بالتالي  فهمه لمدى ضعفه وكيف أنه في حاجة مستمرة إلى الله تعالى وعندما تتراجع صحة الشخص بعد أن كان قويا جلدا وبعد أن كان يتجرأ على الله أحيانا فيعصي أوامره وينسى نُذره ويتفاخر بأمواله وممتلكاته يدرك تمام الإدراك هذه الحقيقة وبالتالي يحسن تقدير العظمة الإلهية عظمة الله الخالق لكل شيء.
    
الأمراض تُشعر الفرد بأن العافية نعمة و فضل من الله تعالى     

هناك أمر طالما نفشل في تقديره خلال صخب حياتنا اليومية وهو الغفلة عن الانتباه إلى أن الصحة والعافية من أكبر النّعم و إنّ الإنسان الذي لم يعان من مرض لفترة طويلة و بالتالي لم يكابد الألم سيعتاد على حالته تلك ولكن عندما يباغته مرض مفاجئ يدرك أن الصحة نعمة عظيمة من الله تعالى هذا لأن الحرمان  من شيء أو فقدانه يجعل الواحد منا يحسن تقدير قيمته وكما وضعها لنا سعيد النورسي المعروف أيضا ببديع الزمان حيث يقول رحمه الله :

” اتّفق أهل الحق على القول "إنما تُعرف الأشياء بأضدادها ..." فمثلا: لولا الظلمة لما عُرف النور ولظل دون معنى و لولا البرودة لما عرفت الحرارة و لبقيت دون طعم ولولا الجوع لما  أحس الإنسان بلذة الأكل و لولا حرارة المعدة لما كان للماء ذوقا و لولا العلة لكانت العافية بلا ذوق ولولا المرض لكانت الصحة عديمة اللذة." اللمعة الخامسة و العشرون, الدواء السابع".

المرض الخطير يذكّر الإنسان بعجزه وحاجته إلى الله

إنّ أغلب الناس يعتبرون أنّ إصابتهم بمرض مميت أو فقدانهم لعضو في جسدهم أمر يدعو إلى الغضب والامتعاض بينما بالعكس من ذلك ينبغي النظر إليه نظرة مختلفة بحيث يفهم على أنه وسيلة للنجاة في الآخرة ودعوة إلى مزيد توثيق الصلة بالله تعالى فالإنسان المبتلى بمرض خطير يصبح أكثر حذرا ويقظة ولذلك فإن معاناته وآلامه تساعده على إدراك لا مبالاته التي طالما أعاقت ضميره وقلبه وتحثه بذلك على التبصر في حقيقة الحياة الآخرة

.
ففي مثل هذه اللحظات ينتبه الإنسان إلى حياة العبث التي كان يعيشها ويدرك مدى قرب لحظة الموت وبدلا من أن يحيى حياته بلا مسؤولية فإن انقضاض المرض عليه فجأة يجعله يدرك أهمية كسب رضى الله تعالى والفوز بنعيم الآخرة و بالتالي يكون المرض سبيلا للنّجاة.

الأمراض تزيد من تضرع الإنسان  إلى الله و قربه منه

عندما تزيد تأثيرات المرض فتصبح أكثر خطورة يبدأ الإنسان التفكير في الموت تلك الفكرة التي تعمد تجنبها لوقت طويل وعندئذ يدعو الله بكل ما أوتي من إخلاص وصدق أن يمنحه الشفاء من ذلك الدّاء فحتى الإنسان الذي لم يدع الله يوما قد يشعر فجأة بحاجته للتوسل إلى الله عندما يبتلى بمرض عضال فهو يتوجه إلى الله بأصدق الدعوات وأخلصها  وهذا ما يكون سببا في زيادة قربه من الله تعالى وإذا لم يظهر الجحود و كفران الجميل بعد شفائه بل استمر في الصلاة والدعاء بصدق وإخلاص فإن مرضه هذا يصبح خيرا وبداية لحياة ملؤها الإيمان والله سبحانه يذكر الناس الذين يتوجهون إليه في تلك المحن بقوله تعالى


( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ ) فصلت51


( وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) يونس 12


 ( وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ )   سورة الروم 33



وكما تشير إلى ذلك الآيات السابقة على الإنسان أن لا يدعو الله فقط في أوقات الصعاب والمحن  بل عليه أن يلجأ إلى إليه كذلك بعد أن يرفع عنه مصابه عندئذ يمكن أن يكون هذا المرض دافعا للإنسان لكي يعترف بضعفه أمام الله تعالى فيتوب إليه وبالتالي يقوي صلته بالله تعالى ويشدّه إلى طاعته أكثر.


قد تكون الجنّة هي جزاء الصبر على المرض


هناك هدف آخر من تكبد عناء الأمراض ألا وهو امتحان صبر الإنسان بالله وثقته به فعندما يمتحن المسلمون بمرض يتميزون جليا عن غيرهم من أقوام الجهل بالصبر و الثقة بالله تعالى وإخلاصهم له وحده وذلك لأنهم أدركوا الفهم الصحيح الذي يثبتون عليه في أوقات الشدة فهم يستحقون رضى الله تعالى فغايتهم هو كسب الجزاء العظيم في الآخرة.

فالإنسان الذي فشل في إخضاع نفسه لله قبل مرضه قد يكتسب تلك الصفات النبيلة خلال مسار معاناته وقد يحرز النعيم المطلق في الجنة مقابل تلك المشكلات المؤقتة في الدنيا إن سيدنا إبراهيم بدعائه الصادق المخلص عند مواجهة المرض هو مثال جيد لكل المؤمنين

(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهْوَ يَشْفِينِ وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ )  الشعراء  80 -81

إن الموقف النبيل الذي اتخذه سيدنا أيوب عليه السلام هو مثل آخر جيد للمؤمنين وكما يخبرنا القرآن الكريم فأيوب عليه السلام عانى من مرض شديد جدا ولكن مرضه عزز إخلاصه وثقته بالله تعالى و توكله عليه فجعلته خصاله تلك من بين الأنبياء الذي أُثني عليهم في القرآن الكريم.

وبالإضافة إلى كل ما عانى سيدنا أيوب عليه السلام من أمراض يخبرنا القرآن الكريم أنه كان أيضا معرضا لوساوس الشيطان الخبيثة فقد استغل الشيطان لحظة الضعف تلك وحاول أن يصرفه عن وضع ثقته بالله والتوكل عليه وفي أوقات كتلك من الصعب على إنسان مريض أن يركز انتباهه  وبذلك يصبح عرضة لوساوس الشيطان ولكن إخلاصه لله وثقته به وتوكله عليه حق التوكل عصم سيدنا أيوب عليه السلام من مكائد الشيطان وقد تضرع إلى الله بإخلاص وسأله العون والتثبيت.

.




وقد قص علينا القرآن الكريم دعاء سيدنا أيوب عليه السلام لكي نأخذ منه العبرة والعظة

( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) سورة الأنبياء : 83 - 84

واستجاب الله لدعاء سيدنا أيوب لأنه كان صادقا مخلصا, قال تعالى:

 ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ )  ص :  41 - 44

فسيدنا أيوب عليه السلام تلقى المكافأة على عظمة أخلاقه وحسن توكله على الله تعالى وصدق لجوئه إليه. وأصبح مثلا طيبا يحتذى به عند المؤمنين كافة.