معرفة النفس والإبتعاد عن الشرك / 03



باختصار شديد، الشرك هو إشراك مخلوقات أو جمادات أخرى في العبادة مع الله ومع هذا التعريف ترتفع إحتجاجات الكثيرين في أنهم لا ''يشركون بالله شيئاً'' بالرغم من أن الحقيقة تثبت إشراكهم ويعود سبب إحتجاجهم هذا إلى إخفاقهم في تحديد حقيقة الشرك ومعناه ويروي لنا الله عز وجل حالات العديد من البشر الذين يشركون بالله ومع ذلك يرفضون الاعتراف بشركهم هذا، وإحدى هذه الحالات ما جاء في سورة الأنعام:

(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)  سورة الأنعام 22-23

يجب أن لا يدعي أحد أنه بعيد عن الشرك تماماً، بل عليه أن يدعو الله دائماً بأن يبعده عنه فالشرك ذنب عظيم، ولقد قال لنا رسول الله ( ص ) عندما سئل عن أعظم الذنوب :

عن  عبد الله بن مسعود  - رضي الله عنه - قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال: ( أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك ....) متفق عليه

وفي القرآن الكريم يخبرنا الله عز وجل أنه يغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك بالله:

{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً }النساء 48


إن النقطة الأولى التي يبدأ منها الشرك ''الإثم والذنب العظيم'' هي نسب صفات الله عز وجل أو بعضها إلى غيره من مخلوقاته . صحيح أن المخلوقات الأرضية تتصف بصفات مثل الجمال، القوة ، الذكاء وغيرها، إلا أن هذه الصفات لا تعود إليها بمطلقها، وإنما هي منحة من الله، مالكها، إلى خلقه، وهي ستزول بزوال هذا المخلوق الذي وهبت له.

ومن هنا كانت نسبة هذه الصفات إلى المخلوق الأرضي تعني جعله نداً لله واتخاذه إلهاً إن الله عز وجل متفرد بصفاته، واحد أحد : (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  اللَّهُ الصَّمَدُ  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } الإخلاص 1-4

فالله عز وجل هو المعيل لكل إنسان، وكل إنسان يحتاجه في البقاء في هذه الحياة عندما ينكر أحدهم هذه الحقيقة، وعندما يبدأ بعض الأشخاص بالتفكير بأن هناك بعض المخلوقات يمكن أن توجد نفسها بإرادتها دون معونة من الله، يطفو الشرك على السطح ومع هذه العقلية، ينسى الإنسان أن كل مخلوق في هذا الكون، إنما هو في ظل الله وحكمه، وهنا تنشأ العقيدة الخاطئة حول وجود مخلوقات مستقلة عن المشيئة الإلهية، وبالتالي يؤدي الإدعاء بوجود مخلوقات كهذه بالإنسان إلى اتخاذها كآلهة فيسألها العون ويدين لها بالولاء فيطبق أحكامها ويستمع لقوانينها


وفي المقابل، فإن الإنسان المؤمن الذي لا يدعو مع الله إلهاً آخر، لا يلتفت لأحد غيره لأنه يعرف أنه هو الحاكم في كل شيء المهيمن على كل شيء فالمؤمن يعيش وشعاره :

(الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
سورة الفاتحة:1- 5


إن المشركين الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر، إنما يشركون به من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ذلك لأن هذه المخلوقات التي يتخذونها كآلهة، ما هي إلا عباد ضعاف، يخبرنا الله عن ذلك بقوله عز وجل :



(أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)   سورة الأعراف 191- 194


ولذلك يكون الشرك من أعظم الآثام، وخدعة كبيرة وموقفاً في غاية الحمق يخبرنا الله عز وجل عن الوهن العقلي لأولئك الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر من خلال مثل في غاية البلاغة ضربه الله عز وجل لهم :
 

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحج 73-74

وللشرك بالله أشكال عديدة فعندما يتخذ الإنسان آلهة أخرى مع الله، يسعى إلى مرضاتهم، ويعلق عليهم الآمال، ويتخذ أحكامهم على محمل الصواب الذي لا يقبل الخطأ وهكذا يصبح الإنسان عبداً لآلهة خيالية إنه يأمل أن يجد لديهم الراحة والخلاص، وهم لا يعدون أن يكونوا خلقاً مثله لا يفوقونه أهمية


المشرك بالله يجد نفسه دائماً في مأزق، وخسارته كبيرة جداً، فالشرك ظلم وظلمات يوم القيامة :

(وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) لقمان 13

والمشرك ظالم لنفسه أولاً:


{إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } يونس 44


معرفة النفس


هناك معلومة على جانب كبير من الأهمية يخبرنا بها القرآن الكريم فيما يخص ''النفس'' الإنسانية'' كما يستخدمها القرآن، وهي تعني الذات، أو ''شخصية الإنسان'' يصف القرآن الكريم الجانبين المتناقضين للنفس : الجانب الشيطاني والذي يوحي بالأفعال السيئة، والجانب الرحماني الذي يوحي للإنسان بالأفعال الخيرة ويحذره من الإيحاءات الشريرة

  في سورة الشمس
يصف الله عز وجل النفس : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) الشمس 7-10



يمكننا أن نستنتج من خلال الآية السابقة أن الجانب الشيطاني موجود في النفس الإنسانية، إلا أن من ينقي روحه ويصفيها سيفوز بالنجاة  فالمؤمنون لا يسلمون أنفسهم للشيطان إنهم يتجنبون هذا ببساطة بهداية من الوحي الإلهي كما جاء في سورة يوسف  :

{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
 سورة يوسف 53

 إن النفس ''أميل إلى السلوك الشيطاني'' فعلى المؤمن أن يكون يقظاً دائماً  فالجهاد الأكبر للمؤمن هو جهاد النفس و النفس لا تفتأ أن تغوي الإنسان لتحرمه من مرضاة الله، وهي في إغوائها هذا تعرض له البدائل المغرية.

إلا أن المؤمن، وبفضل خشيته من الله عز وجل، لا ينخدع بهذا التزيين الزائف الذي تعرضه عليه نفسه إنه دائماً يتطلع إلى الصحيح والصواب من العمل ليجعل منه مرشداً له في حياته فيما يتوافق مع إرادة الله عز وجل  وهنا يتباين موقف العاقل من موقف الغافل، أو الأحمق وهو ما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بـ ''العاجز''.

يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله  "  رواه الترمذي - والحاكم وغيره.




تعليقات