خروج بني إسرائيل من مصر وهلاك فرعون غرقا في البحر / موسى عليه السلام 09



هناك حد معين للعفو الإلهي الذي تتلقاه أي أمة من الأمم. ومن رحمة الله بالناس أنه يحذرهم وينذرهم بواسطة رسله وكتبه وعباده الصالحين الذين يدعون الناس جميعا ليؤمنوا بالله ربهم وخالقهم ويطيعوه. وقد يستمر هذا التواصل بين الله وعباده سنين متطاولة. لكن هناك دوما حد مقدر ينتهي عنده طور الإنذار هذا. فمن يصر على الكفر والمعصية من الناس من بعد ذلك يحل به عذاب في الدنيا وفي الآخرة.

لقد استحق فرعون وملأه الذين لم تر أعينهم أبعد من مصالحهم الشخصية الضيقة وحاربوا الله ورسله ما حل بهم من عذاب. لقد تمردوا على خالقهم ورموا رسولهم بالجنون والكذب، فأعد الله لهم لقاء كفرهم وجحودهم هذا نهاية مأساوية مهينة.

أمر الله موسى (ع) قبل حلول عذابه بفرعون وقومه أن يخرج ببني إسرائيل من مصر:  {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ }الشعراء 52. فعمد موسى (ع) نزولا عند أمر الله إلى الخروج  من مصر خفية.



 أثار خروج بني إسرائيل حنق فرعون وذلك أنه رأى فيه تمردا على ألوهيته وسلطانه. كما خشي أن ينتج عن خروجهم أزمة في الأيدي العاملة قد تقوّض سلطته في نهاية الأمر، ولهذا حشد فرعون جنوده وخرج وراء بني إسرائيل يريد ردهم إلى مصر ومنعهم من الفرار:

( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ) (الشعراء : 53- 60)

أدرك فرعون وجنوده موسى (ع) وقومه عند ساحل البحر. وقد أصاب مقدم فرعون واقترابه هو وجنوده قوم موسى بالرعب واليأس، إذ لم يعد يفصل بين الفريقين سوى مسافة قصيرة ولم يكن ثمة مجال للهرب وأيقن القوم أنهم واقعون في قبضة فرعون لا محالة: ( فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) (الشعراء: 61).

عند تلك اللحظة تصرف موسى (ع) تصرفا فيه قدوة للمؤمنين في كل زمان ومكان، لقد تذكر أنه لا ينبغي له أن يستيئس من رحمة ربه وعونه: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء : 62). ثم انصاع لأمر الله حين أمره قائلا:  ( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) (الشعراء : 63)  فشاء الله أن ينصدع البحر نصفين بينهما سبيل جافة لم يلبث بنو إسرائيل أن سلكوها. فدفع الغرور فرعون وجنده إلى مواصلة السير خلف موسى (ع) وقومه بين فلقي البحر.



ونحن هنا أمام معجزة حقيقية، فلا جرم أن عون الله وتوفيقه كان في جانب موسى (ع) وأتباعه لكن هذه المعجزة البينة لم تكن كافية لإقناع فرعون ببطلان موقفه، واندفع هو وجنوده في تهور غريب وراء بني إسرائيل سالكا السبيل التي انشق عنها البحر لكن بعد أن وصل بنو إسرائيل إلى بر الأمان عاد البحر إلى ما كان عليه وتلاقى جانباه فأغرقا فرعون وجنده ورغم أن فرعون حاول في آخر لحظة من حياته أن يتوب إلى الله، إلا أن الله لم يقبل توبته:

( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ) (يونس : 90-92)

ثمة درس بليغ ومهم يستفاد من توبة فرعون عندما أدركه الموت وعدم قبول الله لتوبته وهو أن الله يمنح كل فرد منا فرصة كافية ليتأمل في الغاية من خلقه وليدرك أنه إنما خلق لهدف واحد وهو أن يعبد الله سبحانه وتعالى  مخلصا له الدين. وإن الرسل والوحي والمؤمنين كل أولئك وسائط تصل عبرها كلمة الله إلى خلقه. وأمام الإنسان وقت كاف للتأمل في هذه الرسالات والتعرض لنفحات رحمة ربه. فإن أضاع المرء الفرصة التي يعطاها وأرجأ التوبة إلى أن يدركه الموت، ما لم يقع ذلك بمشيئة الله، فلن تغني عنه توبته شيئا.

لأن الإنسان يدرك عند الموت حقيقة الآخرة وقربها ويوقن بذلك حين تأتيه ملائكة الموت فعند تلك اللحظة لا يسع الإنسان أن يعرض عن الحق، ولهذا فمن المهم أن يغتنم الإنسان سانحة وجوده على قيد الحياة فيبادر بالتوبة قبل الاحتضار والموت. ولقد أنفق فرعون عمره في مناكفة الحق والتعالي عليه والإعراض عن الله والصد عن دينه وازدراء رسله، ولذلك لم تنفعه توبته التي وقعت بين يدي خوف وإكراه وبعد فوات الوقت.



وفي هذا إنذار وتحذير لمن يرجئون التمسك بالدين والالتزام بشريعة الله إلى آخر مراحل أعمارهم. إن الإتيان بفرائض الدين لا ينبغي أن يؤجل البتة. إن الأشخاص الذين يؤخرون التوبة ويتلهون عن الدين زمن شبابهم ستتقدم بهم السن وسيبلغون أطوارا من الكبر لا تكون للتوبة فيها ذات القيمة والأهمية. ويخبرنا الله عن هذه الحقيقة في قوله:

 (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (النساء : 17-18)

لا جرم أن الله لم يقبل توبة فرعون المتأخرة جدا ويصور الله لنا حال فرعون وأصحابه في نار جهنم على النحو التالي : ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ) (غافر : 46-48)

وسنرى بأم أعيننا في الدار الآخرة إن شاء الله سوء عاقبة فرعون وبطانته الذين آذوا موسى عليه السلام ومن اتبعه من المؤمنين. كما يحسن بنا أن نبتهل إلى الله أن يجعلنا ممن يشاهدون عذاب فرعون لا ممن يكبون على وجوههم في النار معه، وأن يدخلنا الجنة دار الكرامة والرضوان بفضله، آمين.




تعليقات