الصراع الفكري لسيدنا إبراهيم عليه السلام



كان قوم سيدنا إبراهيم ( ع ) على كفر وإلحاد كبير وذوي بأس شديد وإصرار عجيب على الضلالة ودخلوا معه في مناقشات وجدال كثير ولكنه كان صابرا وثابتا على إيمانه  يشكر ربه ويحمده على نصره له ويتوكل عليه

وقد لجأ إلى الإتيان بأدلة رائعة لتعزيز موقفه بما أعطاه الله من فكر نير وعقل ثاقب وحكمة بالغة ووقف أمامهم عزيزا صامدا مبديا من حسن التصرف والأخلاق الحميدة أفضلها،ومظهرا تجاههم كل الرحمة والشفقة

وبفضل ما أورده من دلائل دامغة استطاع تفنيد رأي المشركين وتسفيه مواقفهم جميعها وأثبت لهم عقم عقائدهم التي لا تتلاءم مع أي عقل أو منطق سليم ويخالف ما أوحى به الله تعالى من الحقائق

غير أن قومه وعلى رأسهم أباه آزر استعملوا معه أشد الوسائل وأقسى الإجراءات في حين أنه لم يلجأ إلا إلى الوسائل التي تعتمد على الرأي والفكر والمنطق مما يعطي المثال الجيد للمؤمنين في هذا المجال


ولكن قومه قابلوه بأقسى الوسائل وأشدها بدءا من التهديد والوعيد والتخويف بالإبعاد والنفي وانتهاء بالوعيد بالرجم والقتل. فكان جوابه لهم يعتمد السماحة واللين واللطف. هذه الشيم والأوصاف الكريمة، أوصى بها القرآن جميع المؤمنين.

( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي
بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )  فصلت 34
 

وأمام هذا الموقف الصعب الذي وقفه قومه معه، كان سيدنا إبراهيم ( ع ) مصرا على مبدئه وعقيدته صابرا على أذاهم ومسلما أموره إلى ربه ومتوكلا عليه ومستمرا في تبليغه لدعوته إلى الإيمان والتوحيد

( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )  التوبة 51

واستمر طوال عمره في الجهاد والتبليغ بكل اندفاع وشوق وثبات دون أن ينتظر لقاء ذلك سوى رضا ربه عنه وما وعده من النعيم الأبدي المقيم

من الحقائق التي يجب أن لا تغيب عن البال أن الإيمان يصبح أمرا يسيرا وسهلا في مجتمع كله مؤمن بالله ويسعى لنيل رضاه ولكن الإيمان والثبات  في مجتمع أكثريته جاحدة وناكرة لربها يصبح من الأمور العظيمة التي تكتسب قدرا عظيما من الإجلال والتقدير وهذه الصفات العظيمة جعلت من سيدنا إبراهيم ( ع ) إنسانا عظيما ونبيا كريما

نشاهد بعض المؤمنين في أيامنا هذه يقعون في إحباط ويأس مما يدفعهم إلى التخلي عن أدوارهم في الدعوة والتبليغ لما يرونه في مجتمعاتهم من طغيان الفساد وفكرة الإنكار وتفشي الأخلاق غير القرآنية وتخبوا عندهم الرغبة والشوق إلى ما من شأنه جلب رضا الله ومحبته لهم

والمطلوب من المؤمن المسلم أن يسير ثابتا في سبيل ربه وينظم عيشه حسبما يريده ربه له رغم كل ما يحيط به من معالم الظلم والكفر وفي الآية الآتية يذكر الله كيف أن سيدنا إبراهيم ( ع ) عاش وحده متوجها إلى ربه وحده 

( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) النحل 120 

وهذا يدفع بالمؤمنين لكي لا يتراخوا أو يسمحوا لليأس أن يدخل إلى نفوسهم أمام كيد الكافرين مهما كان شديدا عليهم.