ما الذي يجعل معظم الناس يتجاهلون الحقيقة رغم أهميتها ؟



للإجابة على هذا السؤال عليك أن تفكر ولو للحظة : كم مرّة في حياتك تفكرت في الموت؟ هل فكرت أنك في يوم من الأيام ستموت وسيفارقك الأحبة ويمضون في شؤونهم اليومية؟ وأنك حينها لن تأخذ شيئاً مما جنيت إلى القبر؟

هل تصورت يوماً كيف يكون الموت !  كيف سيبلى جسدك تحت التراب؟ هل فكرت ماذا سيحل بروحك حينها ؟

إنّ للإنسان روحاً لا يمكن  أن تبلى، وحياة الروح إنما تبدأ بموت الجسد، فهل تساءل الإنسان ذات مرة : ماذا ينتظره في هذه الحياة ؟ وشأنه شأن معظم الناس قد لا يفكر في هذه الأمور أبداً، لماذا ؟

لأنها تسبب الرهبة لذلك فإنه يحاول تجنبها بقدر الإمكان، وإذا حصل وطُرحَ موضوع الموت، فإن الناس يحولونه إلى دعاية ويقللون من شأنه بتعليقاتهم الوقحة وذلك لصرف تأثيره عنهم فلماذا يحاول الجميع التهرب بشدة من هذه الحقيقة مع أنها واقعة يوماً ما لا محالة؟!

إنّ ما يجعل الناس يتجنبون ذكر الموت والآخرة هو أن ذلك يحرك ضمائرهم ويذكرهم بأن الله عز وجل سيسألهم ويحاسبهم عن أفعالهم بعد الموت وعندما يصحو الضمير، يفقد ما كان في زمن الغفلة أهميته، ويدرك الإنسان عندما يفكر بالموت الأشياء التي تستحق الاهتمام في حياته فعلاً 

ما قيمة الحياة الدنيا إذن ؟ ربما يكون من الصعب على الإنسان أن يدرك هذه الحقيقة، ولكن التفكير في لحظة الموت بكل تفاصيلها سيساعد الإنسان على تفهم هذه الحقائق يمكن أن يأتي الموت في اللحظة التي تتوقع فيها أنه أبعد ما يمكن عنك، ولن تكون لديك الفرصة للتحضير له

يمكن أن يأتيك الموت الآن أو بعد عدة دقائق أو في الدقيقة نفسها بعد عدة سنوات الإنسان لا يستشعر ضميره : إلا في اللحظة التي تأتيه فيها ملائكة الموت ويرى فيها الجحيم بعينه ربما تكون قد شهدت موت أحدهم لكنك شاهدت موت الجسد ...

أما ما يحدث للروح عند الموت فهو أمر لا يعرفه سوى الذي يخوض هذه التجربة عندما يكون الإنسان مشاهدا فإنه يرى موت الجسد، ويمكن أن يكون هذا الموت هادئاً كما يحدث عندما يموت الإنسان بفعل حادث سير أو مرض . أما ما تمر به الروح عند الموت فهو أمر مختلف تماماً عما يبدو عليه الموت ظاهر الأمر .

فإذا كان الإنسان مؤمناً فإن روحه تخرج بسلام، وتبشره ملائكة الرحمة بأنه سيكون خالداً في النعيم لا يصيبه الحزن ولا الخوف، بل يشعر براحة داخلية لا حد لها؛ لأنه على يقين بأنه سيكون في سعادة وسلام أبداً، كما يقول الله عز وجل في كتابه العزيز :

{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } النحل 32


وجاء ما يدل على ذلك في الحديث :

( إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى سماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوا عبدي إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ؛ فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان له وما علمك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي )
رواه أحمد والحاكم

{لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}     سورة  الأنبياء 103


أما إذا قضى الإنسان حياته بعيداً عن مرضاة الله عز وجل، فبغض النظر عن ظروف وفاته فإن لحظة موته ستكون بداية العذاب لروحه، ويحذر الله عز وجل هؤلاء الناس فيقول :

{فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } محمد 27

وهكذا فإن مجرد تصور الإنسان للحظة الموت وتفكره فيها سيجعله يتصرف بإخلاص مطلق، ويتبع ما يمليه عليه ضميره في كل أفعاله قد يأتيك الموت وأنت تقود سيارة، أو تقوم بعمل روتيني، وفجأة تتغير الرؤيا أمامك فترى ملك الموت

الكافر الذي قضى حياته في المعصية متجاهلاً الموت والآخرة
يفزع لرؤية ملائكة العذاب بأبشع صورها وجاء ما يدل على ذلك في الحديث :

(
وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ :  لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ {الأعراف:40}. فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا فتعاد روحه في جسده ؛ ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة) رواه أحمد والحاكم




يكون خروج الروح من الجسد كأشد ما يكون من الألم،عندها يدرك الإنسان ما ينتظره وقد وصف الله عز وجل هذه اللحظة في  ق :

{وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ } ق 19

وأنت أيضاً ستمر حتماً بلحظة الموت... وعندها كيف ستقيّم أمورك ؟ ما هو الهام منها وما هو التافه ؟ ما الذي ستندم على فعله ... ما هي النصيحة التي تتمنى لو أنك سمعتها ؟ من هو الشخص الذي تتمنى لو أنك لم تعرفه ؟ أي أهمية ستبقى لتفاصيل عملك ؟ ما أهمية اختيار الثوب المناسب لحضور حفلة ما ؟ وما أهمية رأي الآخرين في مظهرك بالمقارنة مع ما سيؤول إليه حالك في الآخرة .

إن الذين يجيبون على هذه الأسئلة السابقة بصدق سيحققون حتماً توافقاً مع ما يمليه عليه ضميرهم  أما إذا لم يتبع الإنسان أوامر الله عز وجل في حياته ولم يسعَ لنيل مرضاته، فإن الخوف والندم سيكونان رفيقيه في رحلة الموت يوم لا ينفع الندم وسينهك نفسه بأسئلة لا جدوى منها ... ليتني لم أستمع لفلان ... ليتني حافظت على الصلاة ...  ليتني قضيت حياتي في طاعة الله عز وجل ... في هذه الأثناء يكون تأثير لحظة الموت شديدا لأن الملائكة ستجرفانه ذليلاً إلى جهنم قبل أن يدخلها، وسيتساءل حينها: ما الذي أوصله إلى جهنم؟! سيشعر الإنسان عندئذ بفزع لا يوصف؛ لأن كل ما فعله أو حتى فكر فيه في حياته سيعرض عليه ... أفكاره التي ظن أنها تخصه وحده ولا يمكن لأحد أن يعلم بها ... وستعرض عليه كل أفعاله ما ذكر منها وما نسي :

(َيوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ  , فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ , وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) الزلزلة : 6 - 8

{لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } الحاقة 12





تعليقات