ضلال بني إسرائيل واتخاذهم عجل السامري - الجزء الحادي عشر





بعد غرق فرعون وجنوده في البحر توجه موسى (ع) بقومه إلى مكان يكونون فيه أكثر أمنا. وقد بدر من بني إسرائيل أثناء هذه الرحلة ما يدل على ضعف إيمانهم وجرأتهم على حدود الله.

لقد كان المصريون يدينون بديانة وثنية وكانوا يعبدون آلهة شتى وكان بنو إسرائيل قد تأثروا بهذه الديانة الوثنية أيام إقامتهم في مصر. لقد نسى بنو إسرائيل ذكر الله وتنكبوا طريق التوحيد الذي ورثوه من أسلافهم من الأنبياء، إبراهيم واسحق ويعقوب عليهم السلام. وقد أتى عليهم حين من الدهر تأثروا فيه بثقافة المجتمع المصري وانتقلت إليهم طائفة من أفكاره وممارساته المنحرفة. وكان مرورهم على إحدى القبائل الوثنية أثناء سيرهم من مصر قد جدد وأحيا هذه الميول الوثنية المستكنة في نفوسهم. تأثر بعض بني إسرائيل بالممارسات الوثنية لتلك القبيلة وسألوا موسى أن يجعل لهم إلها :

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}  الأعراف 138 - 139

توجه موسى (ع) وقومه صوب جبل سيناء. وكما جاء في القرآن فقد كان موسى (ع) على موعد لعقد ميثاق مع الله سبحانه وتعالى خلال فترة الأربعين يوما التي سيقضيها في الجبل. كان يتعجل لقاء الله فبكر بالخروج تاركا قومه وراءه. استخلف موسى (ع) على قومه أخاه هارون ليكون قيّما على بني إسرائيل أثناء غيابه موسى (ع). وكان موسى (ع) قد زود هارون ببعض النصائح قبيل مغادرته :



{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } الأعراف 142

وعندما بلغ موسى المكان المضروب عند جبل حوريب كلمه الله ثانية :

(وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ) الأعراف  143-145

وفي هذه الأثناء انتهز الذين استحوذ عليهم الشيطان من بني إسرائيل فرصة غياب موسى (ع) فعمدوا إلى عمل صنم في صورة عجل، تأثرا بسلوك المصريين، متجاهلين تماما وجود هارون (ع) بينهم :

{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ }          سورة الأعراف 148

وكان الله قد سأل موسى عن قومه وسبب استعجاله الخروج :

{وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } طه 83 - 84 

لم يكن موسى (ع) يدر ما فعل قومه بعد ذهابه عنهم، فأخبره الله عما بدر منهم من عدوان وعن وجود منافق بينهم اسمه السامري وكيف أنه صنع لهم صنما في هيئة عجل :

( قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ) طه : 85

وبعد ذلك حمل موسى(ع) الألواح وغفل راجعا إلى قومه :

( فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ) طه : 86 - 88

تبين لنا هذه الحادثة بتفصيل واضح أن مرضى القلوب في كل مجتمع يقعون فريسة لتلبيس المنافقين. والحق أن المنافقين يتصيدون الفرص دائما ليثيروا الفتن والفوضى. وقد مثل غياب موسى (ع) فرصة سانحة لإضلال فريق كبير من قومه كانت قلوبهم مسكونة أصلا بحب الشرك والوثنية. لقد ظهر السامري في الوقت المناسب وكان يعرف مواطن الضعف في بني إسرائيل وميلهم للشرك، كما كان يعلم أنهم سألوا موسى (ع) من قبل أن يجعل لهم إلها، فاستغل السامري هذه الرغبة وهذا الاستعداد فبنى لهم تمثالا في هيئة عجل زاعما أن موسى (ع) كان يعبده من قبل لكنه نسيه بمرور الوقت.

مثلما ثبت موسى (ع) على دينه وقاد قومه إلى سبيل الرشد والنجاة حين تصدى لهم فرعون وجنوده عند ساحل البحر، فكذلك قاد السامري ذات القوم إلى مظان الكفر والعدوان، وفي هذا دليل على الخير والهدى الذي يمكن أن يأتي على أيدي المصلحين الأخيار والشر والضلال الذي يمكن أن يجلبه المنافقون والأشرار لمجتمعهم.

والحق أن هارون كان قد وعظ قومه وأبان لهم سوء عملهم وانحرافهم عن سبيل الرشد لكن قومه لم يلتفتوا لوعظه :


( وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى )    سورة  طه : 90-91

مما سبق يتضح لنا أن اتباع بني إسرائيل لموسى كان فقط بسبب قبولهم لقيادته. فلو كان اتباعهم له نابعا من عقيدة راسخة لاختلف الأمر ولكانوا قد أطاعوا هارون (ع) أيضا لأنه رسول من رب العالمين. فلأنهم لم يرتضوه قائدا فقد تجاهلوا وعظه لهم. والأسوأ من ذلك أنهم أرادوا قتله حين حاول أن يردهم عن ضلالهم


{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } الأعراف 150


وبعد أن سمع موسى (ع) رد أخيه هارون (ع) التفت إلى السامري المسئول الأول عن ضلال بني إسرائيل فسأله عن جرمه فرد السامري قائلا أنه فعل ما فعل لسبب وجيه وزعم أنه لاحظ أشياء غفل عنها الآخرون، مضيفا أن نفسه سولت له صناعة العجل:

( قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً )  طه : 95-97


يحسن بنا هنا أن نذكر أن السامري اقترف جرمه متوهما أنه يفوق بقية القوم بصرا وحكمة. ويبدو هذا الإعجاب بالذات من قوله : " بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ" وهذا الشعور بالتفوق وتضخم الأنا هو الذي جعل السامري ينقاد ويستسلم لوساوس النفس والشيطان. إن هذه التأثيرات السلبية هي التي أغرته "بعمل شيء متميز" وبأن يصبح في موقع الصدارة ليورد قومه موارد الضلال.




وعلى النقيض من ذلك لا يرى المؤمن الحق أنه أعلى وأعقل من الآخرين. فهو أعلم بعورات نفسه ونقائصها ويسأل الله التوفيق والنجاة من الزلل. وحتى إن وفقه الله فأبصر شيئا ذهل عنه الآخرون فإنه يعد ذلك توفيقا من الله ونعمة يشكر الله عليها ويكون قوله : "لقد أراني الله ذلك والأمر كله بيد الله".

أما السامري فقد ساقته رؤاه إلى الشر والضلال. وقد اتخذ موسى خطوتين هامتين في مواجهة الجرم الذي اقترفه السامري، فعمد أولا إلى نفي السامري الذي هو مصدر الشر والعدوان في قوم موسى. أما الخطوة الثانية فقد تمثلت في نسفه الصنم الذي صنعه السامري وذر رماده في البحر كي لا يعثر له على أثر أبدا.

وهنا يتضح لنا مدى النقاء الذي كان يميز عقيدة وإيمان موسى (ع) ومدى إخلاصه لدينه، إذ اندفع بتصميم قوي ليقضي قضاءً مبرما على شيء رأى فيه تهديدا ماحقا للدين الحق. وهذا لعمري هو سبيل أنبياء الله وسبيل الصالحين المهتدين. وبعد  أن فرغ موسى (ع) من نسف كافة مصادر الضلال وعظ قومه وأمرهم بالتوبة والرجوع إلى ربهم :

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } البقرة 54

لم تؤثر مواعظ موسى (ع) في قومه إلا قليلا، إذ إنهم انتبهوا لتحذيراته أول الأمر وتابوا وأنابوا إلى الله. لكنه كان تحولا مؤقتا. وسنرى في المقالات التالية كيف تمرد بنو إسرائيل عليه وأسرفوا في إيذائه وإغاظته.



تعليقات

  1. بعد غرق فرعون وجنوده في البحر توجه موسى (ع) بقومه إلى مكان يكونون فيه أكثر أمنا. وقد بدر من بني إسرائيل أثناء هذه الرحلة ما يدل على ضعف إيمانهم وجرأتهم على حدود الله !

    ردحذف
  2. توجه موسى (ع) وقومه صوب جبل سيناء. وكما جاء في القرآن فقد كان موسى (ع) على موعد لعقد ميثاق مع الله سبحانه وتعالى خلال فترة الأربعين يوما التي سيقضيها في الجبل. كان يتعجل لقاء الله فبكر بالخروج تاركا قومه وراءه. استخلف موسى (ع) على قومه أخاه هارون ليكون قيّما على بني إسرائيل أثناء غيابه موسى (ع) وفي هذه الأثناء انتهز الذين استحوذ عليهم الشيطان من بني إسرائيل فرصة غياب موسى (ع) فعمدوا إلى عمل صنم في صورة عجل، تأثرا بسلوك المصريين، متجاهلين تماما وجود هارون (ع) بينهم .

    ردحذف

إرسال تعليق