عاطفة الرحمة الشيطانية



إن الأشخاص الذين تنطلي عليهم مكائد الشيطان قد يستخدمون ما وهبهم الله من مشاعر الرحمة بطريقة منحرفة. وإن تصور معنى الرحمة المناقض لإرادة الله إنما هو شعور شيطاني بالرحمة. إن الأشخاص العاطفيين لا يتخذون من القرآن معيارا للرحمة، بل يقتدون في ذلك بانفعالاتهم هم، وهذا هو سبب انحراف فهمهم لهذه الأمور.

فبعض الناس مثلا يتأثرون جدا للألم يصيب شخصا آخر أو لموت طفل صغير أو حيوان برئ لطيف، لكن هنا تتجلى الرحمة الشيطانية فتقود الإنسان إلى التمرد على الله والتجديف عليه. أما الشخص الحكيم فلا يغشاه مثل هذا الشعور الضال لأنه لايرى في الموت خطرا ماحقا بل يعده وسيلة لتقريب العبد من ربه.

إن المؤمن يقيس الرحمة والعطف بمعيار الخير الذي تجلبه في الدار الآخرة. فقد تقتضيه الرأفة التي يشعر بها تجاه مؤمن آخر أن ينتقده أو يصحح خطأه رغبة في نفعه في الدنيا والآخرة. وهذه هي الرحمة الحقيقية.

أما غض الطرف عن أخطاء الآخرين أو مساعدتهم على ارتكابها رغم احتمال أن تلقي بهم هذه الأخطاء والجرائم في نار جهنم في يوم القيامة ، فهي قسوة وتجرد من معاني الرحمة والشفقة. ومن الأمثلة على ذلك الام أو الأب الذي يمنع ولده من الصيام بدعوى أنه ”لا يتحمل الجوع والعطش“ بالرغم أنه بلغ السن الذي يمكنه من أداء هذه الفريضة. ومن العواطف الشيطانية كذلك أن الواحد يكون عنده أحد من أقاربه أو ضيوفه فلا يوقضه لصلاة الصبح في وقتها حفاضا على راحته وحرصا على عدم إزعاجه.


إن الرحمة التي تميز المؤمنين لا تغفل عن مراعاة مصلحة الآخرين ومصيرهم عند الله تعالى، فهي رحمة ينبغي أن تكون مقرونة برضاء الله. فمن مقتضيات الرحم في بعض الأحيان أن يتوجه المؤمن إلى غيره بالنصيحة والإرشاد وربما وجب في حقه اللوم والتقريع، فلا يصح ان يراه يرتكب إثما أو باطلا فلا يحرك ساكنا ولا تثور في داخله مشاعر الرحمة خوفا عليه من عذاب الله.
في مثل هذه الحالات عليه أن يتذكر ماورد في القرآن الكريم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن هذه هي الرحمة الحقيقية.  فالمؤمنون قد ينطلق منهم ما يغضب غيرهم من كلام النصح واللوم وذلك لعلمهم بشدة العذاب الذي يمكن أن يلحق هؤلاء يوم القيامة.


ولذلك فإن أحب الناس إلى الله هم الذين يتبعون الأخلاق الفاضلة ويأمرون غيرهم باتباع الرشد والهدى، وهم من بين الذين وعدهم بالجنة وحسن المآب. ويجب أن لا ننسى أن القسوة الحقيقية هي اللامبالاة بما يقترفه غيرنا ممن نسوا الآخرة من آثام وخطايا والاكتفاء بدور المشاهد السلبي.

إن الرحمة الشيطانية تسبب الظلم وتقود إلى الباطل. فالمؤمن الحكيم يتحرك وفق ما يمليه عليه إيمانه وتبعا لما أمر به ربه، أما الإنسان العاطفي فتسيطر عليه مشاعر الرحمة الشيطانية فيتصرف ليرضي شعوره هو وإن بدا أنه يتصرف من منطلق روح التضحية.

وعندما يوضع في أحد المواقف الصعبه فإنه لا يقيس ما يفعله بمقياس الحق والباطل ولا بمقياس العدل والحكمة، والأهم من هذا كله لا ينظر إلى الأمر بمنظار موازين القرآن وأحكامه بل تحركه كتلة من المشاعر الجاهلية. وهكذا يمكن أن يردي نفسه ومن حوله في المخاطر والمهالك بسبب التقييم الخاطئ للأمور والقرارات غير الحكيمة التي يتخذها تبعا لذلك. فبعده عن موازين القرآن تجعله يتوهم أنه تعامل مع الأمور بدافع الرحمة، ولكنها رحمة شيطانية.


إن الظلم والشعور الشيطاني بالرأفة قرينان لا يفترقان، وإن الأنانية هي من أبرز سمات الشخص العاطفي. فهو يعتقد أنه يتصرف من منطلق التضحية بينما الحقيقة أنه يلبي حاجات نفسية بداخله. ولهذا فإننا لا نتوقع من الشخص العاطفي أن يتصرف بعدل. فهو يجور في الحكم إن وجد نفسه إزاء وضع يضر بمصالحه أو مصالح شخص أثير لديه. فهو لا يمكن أن يكون شاهد صدق إذا طلبت منه شهادة، وقد يجنح إلى إخفاء الحقيقة إذا تعلق الأمر بالشهادة ضد أحد أقربائه.

أما المؤمن فمن أهم صفاته العدل، وقد أمر الله الناس جميعا في القرآن أن يحكموا بالعدل والقسطاس المستقيم، ليس فقط في حق أصدقائهم وأقاربهم، بل أيضا تجاه أعدائهم وخصومهم :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } النساء 135


 وفي آية أخرى يدعو الله الناس ليكونوا شهداء بالحق بقوله :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } المائدة 8

غير أننا يجب أن نعرف أنه من غير الممكن أن ينفذ المؤمن هذا الأمر الوارد في الآية الكريمة تنفيذا كاملا لا نقص فيه. فالضعف الإنساني سمة لا تنفك عن الإنسان ومهما غالب الواحد منا نفسه فهو يبقى محكوما بسيطرة العاطفة إلى حد ما، وخصوصا فيما يتعلق بنفسه أو بأقربائه أو بمن يحبهم. فهو يمكن أن يحابي أو يغض الطرف أو يحيد عن قول الحق. 





تعليقات

  1. إن الأشخاص الذين تنطلي عليهم مكائد الشيطان قد يستخدمون ما وهبهم الله من مشاعر الرحمة بطريقة منحرفة. إن الرحمة الشيطانية تسبب الظلم وتقود إلى الباطل. فالمؤمن الحكيم يتحرك وفق ما يمليه عليه إيمانه وتبعا لما أمر به ربه، أما الإنسان العاطفي فتسيطر عليه مشاعر الرحمة الشيطانية فيتصرف ليرضي شعوره هو وإن بدا أنه يتصرف من منطلق روح التضحية.

    ردحذف

إرسال تعليق