المؤمن الحقيقي يعيش حياته بين الخوف والرجاء


 
المؤمنون الحقيقيون لا يستسلمون للشعورهم بأنهم ضامنون للجنة، وإنما يعيشون حياتهم بين الخوف والرجاء
وفي المقابل الذين يخدعون انفسهم لا يفتأون يقولون بسبب قصورهم العقلي : ''سيُغفر لنا في جميع الأحوال'' يقول الله عز وجل عن هؤلاء

{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }            سورة الأعراف 169


هناك أيضاً من يغترون بالثروة المادية في هذه الحياة الدنيا ، ويعتقدون أن ما هم فيه إنما هو مؤشر على محبة الله عز وجل لهم، لذلك يعتقدون أنهم سيرحب بهم في الجنة، ولو أنهم يشكون بوجودها ويخبرنا الله عز وجل عن أمثال هؤلاء في سورة الكهف :


( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَبا ) الكهف 32-36



أما المسلم فهو على النقيض من ذلك، يخشى الضلال بعد الهداية ، ودعائه كما جاء في القرآن الكريم :

{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }      آل عمران 8

إلا أن هذه الخشية ليست تلك الخشية التي يفزع منها المؤمن ويقنط منها قلبه، بل على العكس إنها الخشية التي تحفّزه وتشجعه على العمل الصالح الذي يقربه من الله عز وجل ويجعل منه عبداً مستحقاً لجنة الخلد، فهو يمضي كل حياته في سبيل الوصول إليها.

يسعى المؤمن  إلى تحقيق ما يرضي الله عز وجل في هذه الحياة الدنيا
القصيرة والفانية  فأفكاره كلها تدور حول محور واحد وهو الحدث الأكبر الذي سيواجهه في نهاية هذه الحياة الدنيا : الموت إنه يعرف أنه لا بد وأن يواجه هذا الغائب المنتظر في يوم من الأيام وأنه سيلقى حسابه أمام ربه، فإما سعادة خالدة أو تعاسة خالدة . إنه من الغباء بمكان أن يسلك المؤمن طريقاً آخر أو أن يبقى غافلاً بينما يتربص به ذلك الحدث : الموت

المؤمن مسؤول عن ''عمل كل ما يرضي الله''  وإخفاقه في ذلك يعني أنه غير قادر على مواجهة الخطر الذي ينتظره  فأمام الذل الذي سيواجهه في جهنم وأمام الله عز وجل، عليه أن يتقصى دائماً ''أفضل ما يرضي الله''

إن بعض الأمثلة و المواقف ستؤدي إلى فهم أعمق للكيفية التي يجد فيها الإنسان أفضل ما يرضي الله :

 لنفترض أنك تواجه طوفاناً عارماً، وأن مستوى الماء يرتفع بسرعة كبيرة، ماذا ستفعل؟ هل ستفضل الصعود إلى الطابق العاشر من بناء شاهق، أم أنك ستكتفي بالصعود إلى الطابق الخامس وتقول ''هذا ارتفاع كاف لإنقاذي'' ؟

 لنفترض أنه يوجد مصعد يمكن أن يرتفع بك إلى الطابق الأخير، ولكن هذا المصعد ليس مجانياً ، ويعمل لمرة واحدة و أنت تمتلك المال الكافي لإستقلال المصعد إلى الطابق الأخير، فهل ستنفق كل ما لديك في سبيل الوصول إلى الطابق الأخير أم أنك ستبقى في المستوى الذي يمكن أن يصلك الطوفان من خلاله ؟

مرة أخرى، لنفترض أن هناك حفلة مقامة في الطابق السادس الذي يفترض أنك ستلجأ إليه فهل ستدخل لتشترك في الحفل، أم أنك ستجاهد للوصول إلى الطابق السابع ؟


مثال آخر دعنا نفترض أن أحد أصدقائك المقربين جداً قد تعرض إلى أزمة قلبية شديدة، وأنه يتحتم نقله الفوري إلى غرفة العناية المركزة في هذه الحالة هل ستقود سيارتك بأقصى سرعة ممكنة، أم أنك ستكتفي بسرعة متواضعة وتقول  أنه عليه أن يتحمل إلى أن نصل ؟


من الأمثلة السابقة، نجد أن الإنسان ينتبه ويتيقظ في حالة الخطر ويبذل كل ما بوسعه ليتجنبه إن أعظم خطر يواجهه الإنسان هو جهنم، وأفضل وسيلة يمكنه اتخاذها لتجنب هذا الخطر هو ابتغاء أفضل ما يرضي الله لنتصور معاً، ولو للحظة، أنك واقف على حافة جهنم والناس من حولك متجمعون يوم الحساب وأنك تنظر إلى أهوالها لقد رأيت النار، فكيف ستتصرف ؟

لابد وأنك ستبذل قصارى جهدك في سبيل كسب رضوان الله عندما يرسل الإنسان إلى جهنم يكون وقت الاختيار قد انقضى وحان وقت الحساب فقط، زمن حكم الأعمال، والأعمال فقط هي الحاكمة


إذاً على المؤمن والحال هذا أن يعمل على ضوء هذه الحقائق والمؤمن الحقيقي فعلا يعمل في ضوء هذه الحقائق فهو دائماً ينظر إلى النار وكأنها على قرب منه، لأنه على علم تام أن يوم الحساب قريب منه جدا  ويلفت القرآن نظرنا في الكثير من المواضع إلى أن الندم لا ينفع في يوم الحساب، ففي سورة فاطر مثلاً :

{وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } فاطر37

من الحمق بمكان أن نقنع بالقليل من الجنة فلو كنت تريد مغادرة جزيرة مليئة بالذهب، فهل كنت ستغادرها دون أن تأخذ أقصى ما يمكنك من هذا الذهب ؟ عندما يحين زمن المغادرة ، مغادرة هذه الدنيا
فهل كنت ستغادرها دون أن تأخذ أقصى ما يمكنك من هذا الأعمال الصالحة ؟

على المسلم أن لا يعتريه الندم فيقول ''ياليتني فعلت هذا'' أو ''ياليتني أفوز بهذا العمل الصالح'' ولتجنب هذا الوضع ، على المسلم أن يسعى لإنجاز أكثر ما يمكن أن يرضي الله تعالى وفي حين يبذل الكافرون كل ما بوسعهم في سبيل هذه الحياة الدنيا التي ما هي إلا ''متاع قليل'' ويلقون نهاية مريرة تعويضاً عن هذا السعي الآثم، يكرس المؤمن حياته في سبيل الله ليفوز برحمته ورضوانه






تعليقات

  1. المؤمنون الحقيقيون لا يستسلمون للشعورهم بأنهم ضامنون للجنة، وإنما يعيشون حياتهم بين الخوف والرجاء وفي المقابل الذين يخدعون انفسهم لا يفتأون يقولون بسبب قصورهم العقلي : ''سيُغفر لنا في جميع الأحوال'' وهذا من إحدى خدع الشيطان

    ردحذف

إرسال تعليق