أخلاق القرآن وحدها من يقدم تغطية شاملة للمشكلات التي تتطلب حلولا عاجلة




لا شك أن الشخص الذي يخاف الله هو نفسه شخص يستمع إلى ضميره ويتصرف دوما وفقا لأحكام القرآن الكريم.  والله سبحانه وتعالى أمر الناس في القرآن بأن يعملوا الأعمال الصالحة وأن يمدوا يد العون للآخرين، ويكافحوا من أجلهم دون أن يتوقعوا أي مكافأة دنيوية. وفي الآية التالية :

(وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (سورة المدثر: 6 - 7)

تأكيد على ضرورة أن يمتنع الناس عن طلب المكاسب الدنيوية مقابل المعروف الذي يقدمونه ويرجون به مرضاة الله. فالمؤمن الذي يقدم يد العون للآخرين دون أن ينتظر منهم  أي مكاسب دنيوية يفعل ذلك  من أجل غاية واحدة؛ وهي نيل رضا الله حتى يقبله ضمن عباده الصالحين الذين يستحقون دخول الجنة.

ومع ذلك، فإن عددا كبيرا من أعمال الخير في عصرنا الحالي تُؤدَّى بهدف الحصول على مكافأة دنيوية. فعلى سبيل المثال، رجل الأعمال الذي يتعهد بإنشاء دار للفقراء تحت مسمى الأغراض الخيرية، يبدو ظاهريا أنه لا يجني أي كسب مادي من هذا التعهد. ولكن الحقيقة مختلفة، لأنه يبني هذا المشروع في المقام الأول من أجل الدعاية لاسمه، الذي سيظهر على الصفحات الأولى بالجرائد وفي برامج التليفزيون الإخبارية، مما يحول هذا العمل الخيري إلى شكل من أشكال التباهي. وفي غضون ذلك، ستوفر شركته أموالا لأن تكاليف هذا العمل الخيري تخصم من ضرائبه.

وعلاوة على ذلك، فإن العمل الخيري الذي يُقدم من أجل الحصول على مزايا مشابهة غالبا ما يكون بعيدا كل البعد عن الاحتياجات الفعلية للمستفيدين منه. إذ سنجد، على سبيل المثال، أن الشاحنة المحملة بالطعام التي يتم إرسالها إلى منطقة ضربها زلزال لا تسد حاجات المتضررين، إما لأنها فاسدة من الأساس أو لأنها لا تلائم احتياجات الضحايا الفعلية.

ويكفينا الاستشهاد بمواقف السياسيين لإيضاح هذه المسألة. إذ يكرر السياسيون في خطبهم، على مدار حملاتهم الانتخابية المطولة، شعارات تعبر عن التزامهم العميق بخدمة بلدهم. ومع ذلك، إذا لم يعينوا في منصب وزاري، سرعان ما يقطعون كل صلة تربطهم بحزبهم، وينسون "الأهداف" المزعومة المذكورة في جدول أعمالهم، ويكشفون عن دوافعهم الخفية المرتبطة بدخول مجال العمل السياسي. ويتبين أنهم ترشحوا من أجل الحصول على "المنصب" والمكانة الاجتماعية. ولن تصدق كم هي قليلة المزايا التي يجنيها المجتمع من مثل هذه العقليات.

وباختصار، يصبح المعروف بلا ثمرة في الآخرة إذا خلا من الإخلاص. ويبين الله ذلك في الآية التالية :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }               (سورة البقرة: 264)

ولكن من ناحية أخرى، المعروف الذي يؤدَّى بإخلاص لمساعدة الناس وكسب رضا الله يثبت انه مربح ومفيد، كما جاء في العديد من آيات الذكر الحكيم. وفي مقابل هذه النوايا المخلصة، يقود الله جل جلاله الناس إلى النجاح في كل أعمالهم ويضمن لهم نتائج مثمرة لما عاهدوه عليه. وقد تمت الإشارة إلى ذلك في الآية التالية:

{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (سورة البقرة: 265)

 وفي مجتمع بعيد عن التدين، يميل الناس في الغالب للاعتقاد بوجود مصلحة خفية وراء التضحية، وما هذا إلا منطق الكفار الذي غرسوه في عقول الناس. وفي مجتمع لا يسعى أفراده لنيل مرضاة الله، يقدم الناس المصالح الشخصية على كل ما عداها. ومن ناحية أخرى، يسعى المؤمنون لنيل مرضاة الله جل جلاله دون سواها:

 ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ) (سورة الإنسان: 7-11)



أخلاق القرآن وحدها من يقدم تغطية شاملة  للمشكلات التي تتطلب حلولا عاجلة. إن مجرد العيش وفقا لقيم القرآن سيوفر حلولا دائمة لكل المشكلات. ومن أمثلة هذه المشكلات في عصرنا الحاضر: التعامل مع احتياجات الفقراء، وتوفير العناية الجيدة لكبار السن، وغرس القيم الصالحة في الأطفال، وتحرير المراهقين من قبضة الانحلال الأخلاقي، وتوفير مساعدة عاجلة للبلدان التي تحل بها الكوارث، والإطاحة بالأيديولوجيات القاسية المتأصلة في العقول والمسؤولة عن انجراف البلدان في الحروب وقتل آلاف الأبرياء، ومواجهة المتمردين على بلدانهم، والعديد من القضايا الأخرى التي تنتهي غالبا إلى طريق مسدود.

إن الحل الوحيد لمختلف المشكلات التي نواجهها في حياتنا لا يتأتى إلا من خلال الالتزام بما جاء في القرآن الكريم، المرشد الوحيد للبشرية في عصرنا الحالي، الذي قدمه الله لها لكي ينير طريقها. ذلك أن العيش وفقا لأوامر الله سبحانه وتعالى سيزيل كل أنواع الشرور من الأرض. أما في حالة الابتعاد عن هذه المبادئ، فسيلزم الناس أنفسهم عمدا بنظام قاس. ويلفت الله الانتباه في القرآن الكريم إلى الأذى الذي يسببه الناس لأنفسهم:

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }(سورة الروم: 41)





تعليقات

  1. عدد كبير من أعمال الخير في عصرنا الحالي تُؤدَّى بهدف الحصول على مكافأة دنيوية وهذا مخالف لأخلاق القرآن (وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (سورة المدثر: 6 - 7) باختصار، يصبح المعروف بلا ثمرة في الآخرة إذا خلا من الإخلاص ولن تصدق كم هي قليلة المزايا التي يجنيها مجتمع ينعدم فيه الإخلاص !

    ردحذف
  2. في مجتمع بعيد عن التدين، يميل الناس في الغالب للاعتقاد بوجود مصلحة خفية وراء التضحية، وما هذا إلا منطق الكفار الذي غرسوه في عقول الناس. وفي مجتمع لا يسعى أفراده لنيل مرضاة الله، يقدم الناس المصالح الشخصية على كل ما عداها. ومن ناحية أخرى، يسعى المؤمنون لنيل مرضاة الله جل جلاله دون سواها

    ردحذف

إرسال تعليق