الأمم البائدة من خلال القصص القرآني



منذ بَدء الخليقة والإنسان يتلقى رسالة ربه عن طريق الرسل الذين يبعثهم الله إليه بعض الأمم قبلت هذه الرسالة بينما رفضتها أخرى وفي بعض الأحيان يقبلها قلة من القوم فيتبعون رسولهم بينما ترفضها الأكثرية إلا أن هذه الأكثرية لا تكتفي بتكذيب الرسل وإنما تتعرض لهم بالإيذاء والقذف وغالباً ما تتهمهم بالجنون والكذب والسحر والغرور حتى إن زعماء بعض الأمم يحاولون قتلهم أو التخلص منهم

 ( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) التوبة 70


ولم يكن مطلب هؤلاء الرسل من قومهم ليتعدى الإيمان بالله وطاعته فهم لا يسألون مالاً ولا عطاء دنيوياً كما أنهم لم يكرهوا قومهم على الاستجابة لهم فما فعلوه هو الدعوة إلى دين الحق وإلى طريق جديد يبدؤون فيه مع أتباعهم حياة مختلفة بعيداً عن ذلك المجتمع الضال

وتعكس لنا قصة شعيب وقومه أصحاب مدين الذين أرسل إليهم العلاقة التي أسلفنا ذكرها بين الرسول والمجتمع الذي أرسل إليه وتبدو ردة فعل قوم شعيب على دعوته التي دعاهم فيها إلى الإيمان بالله والعدل في الميزان الذي كانوا مشهورين بتطفيفه والطريقة التي انتهوا بها ممتعة من خلال السرد القرآني 
(هود: 84-95)
    

حيث تواصوا بِرَجْمِ شعيب الذي لم يكن له ذنب سوى أن دعاهم إلى الخير فأخذهم الله بعقابه وأبادهم كما سردت لنا الآيات إلا أن قوم شعيب ليسوا هم المثال الوحيد بل على العكس فكما ورد في السياق القرآني على لسان شعيب وهو يخاطب قومه أن أمماً عديدة سبقت أهل مدين قد بادت وكذلك أمم كثيرة جاءت بعدهم دمرها الله وأباد أهلها
.
في المقالات القادمة إن شاء الله سنقوم بتقديم وصف للمجتمعات البائدة من خلال القصص القرآني وسنرى كيف أن الآيات تدعو الناس ليتفكروا ويحذروا من العاقبة التي لاقاها أسلافهم

وهنا يلفت القرآن انتباهنا بشكل خاص إلى أن الغالبية العظمى من هذه الأقوام كانت على درجة عالية من الحضارة والرقي و يمكن أن نستوضح هذه الخاصية التي تميز الأمم البائدة

 ( كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ) ق 36

في الآية السابقة يمكن أن نستنبط صفتين لهؤلاء الأقوام الأولى هي أنهم كانوا شديدي البأس وهذا يعني أنهم كانوا يمتلكون أنظمة عسكرية قوية وأنهم سيطروا على الأرض التي أقاموا فيها بالقوة الصفة الأخرى هي أن تلك الأمم كانت قد أنشأت مدناً كبيرة تسترعي الأنظار بفنها المعماري


غني عن الذكر أن هاتين الصفتين موجودتان في الحضارة الحديثة التي بنت عالماً حضارياً مزدهراً من خلال التقنيات والعلوم المتطورة وأنشأت دولا ً مركزية ومدناً كبيرة وهي مع ذلك تنكر وجود الله وتتجاهله ناسية أن كل ما هي عليه من تقدم وازدهار لم يكن ليوجد إلا بقدرته تعالى إلا أن الحضارات التي أقامتها تلك الأقوام البائدة لم تنجها من الدمار كما ذكرت الآيات الكريمة لأنها كانت قائمة على نكران الخلق الإلهي ولن تختلف نهاية الحضارة الحديثة عن تلك طالما أنها تقوم على التكذيب والإفساد في الأرض

لقد تم إثبات عدد لا يستهان به من حوادث الدمار التي أتى القرآن الكريم على ذكر بعضها عن طريق الأبحاث الأثرية التي قام بها علماء العصر الحديث هذه الاكتشافات التي تبرهن بشكل قطعي على وقوع تلك الأحداث التي رواها لنا القرآن الكريم تثبت أنه لا بد وأن تكون هذه الكوارث قد أُنذر بها مسبقاً كما صورت في القصص القرآني مرات ومرات ويأمرنا الله في آياته

( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  ) يوسف  109-111

هناك أمثلة من الأمم السالفة عن أقوام وُهِبوا الذكاء والعقل إلا أنهم دُمِّروا بسبب إعراضهم عن الله وعصيانهم لأوامره وهذه الأمثلة تكشف لنا عن مدى ضعف الإنسان وعجزه أمام خالقه في المقالات المقبلة سنتأمل هذه النماذج من خلال التسلسل التاريخي والزمني