محاولة رمي سيدنا إبراهيم عليه السلام في النار




بالنظر لما شاهده الكفار من قوم إبراهيم عليه السلام من تحطيم أصنامهم والإهانة التي تعرضوا لها من جرائه، أخذتهم العزة بالإثم، وفكروا في إجراء مقابل بحقه، ولجأوا إلى خطة ظالمة تقضي بحرقه في النار:

( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ  )    الصافات 97 - 98  

{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } العنكبوت 24

إن لجوء قوم إبراهيم عليه السلام إلى اتخاذ هذه الإجراءات القاسية والشديدة -
رغم ظهور دلائل الحق المبين أمامهم  -  تدل على مدى إصرار الكفار وقسوتهم تجاه أنبياء الله والذين اتبعوهم من أهل الإيمان، وعدم تحملهم رؤية المؤمنين أو سماع ما يقولون. ويذكر القرآن حوادث وحقائق أخرى حول ظلم المنكرين لأهل الإيمان :

( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) البروج  4  - 8
   
ولكن الله تعالى يبطل كيد المجرمين ويفسد عليهم كيدهم وخططهم اللئيمة تبدو للوهلة الأولى أن كثرة جموع المشركين وشدة بأسهم كانت ستؤدي بسيدنا إبراهيم عليه السلام إلى الحرق في النار ولكن قدرة الله هي التي تدفع النار إلى اكتساب صفة ( الحرق) كما وأن الموت شأن يقرره الله تعالى وبيده حكمه وفي تلك اللحظة الحرجة يأتي أمر الله إلى النار أن تكون " بردا وسلاما " ويرد كيد الكافرين إلى نحورهم.

( وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) الأنعام 80 - 81

( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ )  الأنبياء 68 - 71   

.



وكما أنقذ الله أنبياءه وكان مددا وعونا لهم، كذلك كان مع سيدنا إبراهيم عليه السلام في هذه اللحظات الحرجة والعسيرة. مثله مثل ما حصل لسيدنا موسى عليه السلام وقومه حينما أدركه فرعون وجنوده، وفي اللحظات الأخيرة شق الله لهم البحر فعبروا، وأغرق عدوهم في لجج البحر. كل هذه الأمثلة معجزات من رب العالمين في نصره أنبياءه ومن تبعهم في طريق الهداية.

وفي سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام وصبره وثباته وتسليم أموره لربه وتوكله التام عليه، قدوة حسنة لكافة أهل الإيمان في كل عصر وزمان. ولقد كان إيمانه العميق يجعله يرى كل ما يجري إنما هو ضمن تقدير محكم وخطة ربانية. لذلك أيقن أن أمر الله لا محالة واقع، ونصره وتوفيقه لأهل الإيمان لا بد آت وهو معهم دائما، وهذا وعده لهم ولن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا

{... وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } النساء 141


كل هذه الحقائق تدفع المؤمنين إلى الإيمان الشديد بقضاء الله الذي لا مرد لتقديره، وعليهم التوكل عليه والتمسك به وطلب العون والمدد منه أمام المصاعب والمحن.
               
( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ  ) البقرة 156 - 157

هكذا نصل إلى قناعة تامة بأن كل المحن والمصاعب أمام المؤمنين إنما هي اختبار وامتحان وراءه كل الخير. وما عليهم إلا  الثبات والعزيمة، والصبر والتجلد، والترابط والتوكل على الله وطلب العون منه وكسب رحمته ورضاه.

.




إن ما يتخذه الكفار من مؤامرات وما يكيدونه ويخططون له من سوء، يجب أن لا يدفع المؤمنين إلى الحزن والأسى والشعور بالضيق، بل على العكس يجب أن يكون عاملا لزيادة التعلق بالرب وتقوية الإيمان واليقين والشوق إليه. وفي هذا الخصوص يخاطب القرآن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم :

( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ) النحل 127 - 128