التعصب الأعمى للفلسفة المادية





لكي نتحرر من الأحكام والأفكار المسبقة هناك بعض الناس يقبلون كل شيء يسمعونه من العلماء بوصفه صحيحاً تماماً، ولا يكاد يخطر ببالهم أن العلماء قد تكون لهم أيضا أهواء فلسفية أو أيديولوجية شتَّى.

.
على سبيل المثال، قد تجد  علماء في البيولوجيا أو الأحياء الذين يعلمون جيدا أن جُزيء البروتين (الذي هو وحدة بناء الحياة) يشكل انسجاماً لا يُسبَر غورُهُ وبالتالي لا يوجد أي احتمال لأن يكون ذلك البروتين قد جاء بطريق الصدفة، ومع ذلك، قد تجد هؤلاء العلماء يزعمون  أن هذا البروتين قد وُجد في ظل ظروف بدائية للأرض بطريق الصدفة منذ ملايين السنين !!!

وهم لا يتوقفون  عند هذا الحد بل يزعمون أيضاً، دون تردد، أن الأمر لم يقتصر على بروتين واحد، وإنما ملايين البروتينات قد تكونت بطريق الصدفة، ثم تجمعت على نحو لا يصدَّق !!!  لتكوِّن الخلية الحية الأولى.
إن هذا النمودج من العلماء يمثل دوره اليوم الداروينيون و التطوُّريون! الذين يدافعون عن رأيهم بعناد أعمى.

كيف -إذن- يمكن لهؤلاء العلماء  أن يتبنَّوا مثل هذه المواقف الغير المعقولة ؟ إنه من غير الممكن أن نزعم أن هذا الموقف يُتبنَّى باسم العلم فالعلم يقتضي أخذ كِلا الإحتمالات في الاعتبار وكلما وُجِد بديلان محتمَلان  فيما يتصل بقضية معينة
فإن الشيء المنطقي والعلمي يكون هو الإختيار الصحيح  للبديل الآخر.

.

للنناقش هذان الإحتمالان :

ثمة رأيين يمكن طرحهما فيما يتصل بالكيفية التي أتت بها الكائنات الحية إلى الوجود : الرأي الأول هو أن كل الكائنات الحية قد خلقها الله في صورتها المعقدة الحالية. والرأي الثاني هو أن الحياة قد تكوَّنت بطريق مصادفات عشوائية غير مقصودة، وهذا هو الرأي الذي تزعمه نظرية التطوُّر.

.



إننا عندما نتأمل المعطيات العلمية (ولتكُن معطيات علم البيولوجيا الجزيئية على سبيل المثال)  سيكون بوسعنا أن نرى أنه لا توجد أي فرصة أبداً لاحتمال أن تكون خلية حية واحدة (أو حتى واحد من ملايين البروتينات الموجودة في هذه الخلية) قد وُجدت بطريق الصدفة كما يزعم التطوُّريون. وكما سنبين في ما يأتي إن شاء الله ، فإن حسابات الاحتمالات أيضاً تؤكد هذه الحقيقة . ومن ثم فإن رأي التطوُّريين بشأن ظهور الكائنات الحية لا يدعمه أي احتمال أبداً من الإحتمالات السابقة .


.
إن هذا يعني أن نسبة احتمال كون الرأي الأول صحيحاً هي مئة في المئة، أي أن الحياة قد أُوجِدت على نحو مقصود. وبتعبير آخر، فإنها قد خُلقت. إن كل الكائنات الحية قد جاءت إلى الوجود بتخطيط خالق تعالت قدرته وحكمته وعلمه. إن هذه الحقيقة ليست مجرد مسألة إيمانية بل إنها النتيجة الطبيعية التي تقود المرءَ إليها الحكمةُ والمنطقُ والعلم.
.
وفي هذه الحالة ، فإنه ينبغي على علماء  التطوُّر والداروينية أن يتراجعوا عن زعمهم الغير المنطقي الذي لا يدعمه أي من الإحتمالات السابقة وليتمسكوا بالعلم المبرهن بالحقائق بعيدا عن الأوهام

وأي عالم من العلماء  فعل عكس ذلك فإنه يُثبِت - في الواقع - أنه شخص يضحّي بالعلم من أجل فلسفته وأيديولوجيته وعقيدته أكثر من كونه عالِماً حقيقياً.


التعصب الأعمى للفلسفة المادية

.
إن الاعتقاد الذي تحدثنا عنه هو الفلسفة المادية التي ترى أن المادة موجودة منذ الأزل ولا تقبل وجود شيء إلا المادة ولا شيء غيرها. ونظرية التطور هي ما يزعم أنه الأساس العلمي لهذه الفلسفة المادية، ولذلك فإنهم يدافعون عنها دفاعاً أعمى لتدعيم هذه الفلسفة.

أما حينما يدحض العلم ادعاءات التطور ويبطلها (وهذا ما توصل إليه العلم في أواخر القرن العشرين) فإنهم يسعون جاهدين إلى تحريف الحقائق العلمية بحيث تبدو وكأنها تؤيد التطور، وذلك من أجل الإبقاء على حياة الفلسفة المادية.

إن سطوراً قليلة كتبها أحد أشهر علماء الأحياء المدافعين عن نظرية التطور في تركيا لَهِي نموذج جيد لمشاهدة ما يؤدي إليه التعصب الأعمى من تخبط وفساد في التفكير والتقدير. يقول عن
مادة سيتوكروم-سي (Cytochrome-C) التي هي واحدة من أهم الإنزيمات اللازمة للحياة :

( إن احتمال تكوين سلسلة واحدة من (سيتوكروم - سي) قليل جداً يكاد يكون صفراً... أو إن تكوين هذه السلسلة المعقدة حدث من قِبَل قوى فوق تصورنا ولا نستطيع تعريفها. ولكن قبول الاحتمال الأخير لا يناسب الأهداف العلمية إذن علينا فحص الاحتمال الأول وتمحيصه والاقتصار عليه.(2)

.
إن هذا العالِم يرى أن قبوله احتمالاً ضعيفاً يصل إلى حد الصفر هو أمر أكثر تجسيداً لطبيعة العلم من قبول مسألة الخلق، بينما القواعد العلمية تقتضي -كما تناولنا آنفاً- أنه إذا كان يمكن تفسير موضوع ما عن طريق احتمالين وكان احتمال أحدهما صفراً، فالصواب هو الاحتمال الثاني. ومع ذلك، فإن الفكر المادي المتعنت يرفض من الأساس قبول وجود قوة خالقة فوق المادة، وهذا الرفض يؤدي بهذا العالِم (وبكثيرين غيره من أنصار التطور المؤمنين بالمادية والمتعصبين لها) يؤدي بهم جميعاً، مع الأسف، إلى تقبل أمور لا يقبلها العقل ولا الفطرة السليمة.
.
بمثل هذه المواقف  يصبح الأشخاص العاديين الذين يؤمنون بمقولات هؤلاء العلماء ويثقون بهم عُمياً - مستعبَدين لنفس السحر المادي، فيتبنون ذات النفسية غير العقلانية عند قراءة كتب هؤلاء العلماء ومقالاتهم.

.


وقد كانت وجهة النظر المادية المتعنتة هذه هي السبب في إلحاد العديد من الأسماء المشهورة في المجتمع العلمي، ولا يتردد أولئك الذين يخلِّصون أنفسهم من وطأة عبودية هذا السحر ويفكرون بعقل متفتح في التسليم بوجود خالق. وقد وصف عالم الكيمياء الحيوية الأمريكي، الدكتور مايكل بيهي (وهو أحد هذه الأسماء المشهورة التي تؤيد نظرية التصميم الذكي (intelligent design) التي لاقت مؤخراً قبولاً كبيراً في الأوساط العلمية)، وصف العلماء الذين يقاومون الإيمان بالتصميم أو الخلق في الكائنات الحية بقوله :

.
( على مدى الأربعين سنة الماضية اكتشف علم الكيمياء الحيوية الحديث أسرار الخلية، وقد استلزم منا ذلك أن يكرس عشرات الآلاف من الأشخاص  أفضل سنوات حياتهم في العمل الممل داخل المختبرات... وقد تجسدت نتيجة كل هذه الجهود المتراكمة لدراسة الخلية (ودراسة الحياة عند المستوى الجزيئي) في صرخة عالية، واضحة، حادة تقول: التصميم المبدع ! وكانت هذه النتيجة من الوضوح والأهمية بمكان بحيث كان من المفترض أن تصنَّف ضمن أعظم الإنجازات في تاريخ العلم. ولكن -بدلاً من ذلك- أحاط صمت غريب ينم عن الارتباك بالتعقيد الصارخ للخلية. ولكن لماذا لا يتوق المجتمع العلمي إلى قبول هذا الاكتشاف المذهِل؟ لماذا يتم تكميم مفهوم التصميم المبدع بقفازات فكرية ؟ تكمن الورطة هنا في أن قبول فكرة التصميم الذكي المبدع، يؤدي حتماً إلى التسليم بوجود الله (3)
.
ويجسد ما سبق الوضع المؤسف لعلماء التطور الملحدين الذين تراهم في المجلات وتشاهدهم على شاشات التلفزيون، والذين قد تكون من قارئي كتبهم. ذلك أن جميع البحوث العلمية التي قام بها هؤلاء العلماء تبرهن لهم أن هناك خالقاً، بَيد أن هؤلاء العلماء أصبحوا عُمياً ومتبلدي الإحساس بسبب التعليم المادي المتعنت الذي تشربوه لدرجة جعلتهم يصرون على إنكارهم.


ويتحول الأشخاص الذين يُهملون باستمرار الدلائل والبراهين الواضحة على وجود الخالق إلى أشخاص متبلدي الإحساس تماماً. ونتيجة لانغماسهم في الثقة بالنفس المبنية على الجهل بسبب تبلد إحساسهم، فقد ينتهي بهم الأمر إلى تأييد إحدى السخافات على أنها حقيقة. ومن أفضل الأمثلة على ذلك عالم التطور الشهير ريتشارد داوكينز الذي يطلب من الناس ألا يتسرعوا بالاستنتاج بأنهم قد شاهدوا معجزة حتى لو شاهدوا تمثالاً يلوِّح لهم بيده فحسب رأيه ربما تصادف أن كل الذرات في ذراع التمثال قد تحركت في نفس الاتجاه في آن واحد... إنه احتمال ضعيف بالطبع، ولكنه ممكن (4)!

.
لقد وُجدت نفسية الكافر على مر التاريخ، وقد وُصفت في القرآن الكريم كما يأتي
.
{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ }الأنعام111

وكما توضح هذه الآية، فإن التفكير المتعنت لعلماء التطور ليس طريقة أصلية في التفكير، ولا حتى طريقة مميِّزة لهم. وفي الواقع، لا تعد الأفكار التي ينادي بها عالم التطور من التفكير العلمي الحديث في شيء، إنما هي مجرد جهل تم الحفاظ عليه منذ عصر أكثر المجتمعات الوثنية بدائية.

.
وقد تم تعريف ذات النفسية في آية قرآنية أخرى:
.
( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ) (سورة الحجر 14-15)
.


2 A. H. Brush, “On the Origin of Feathers” p. 131
3 Ibid.
4 Ibid.