نظرة المسلمين إلى اليهود وموقفهم من الصهيونية


هارون يحيى بالعربية


إزاء الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل على المسلمين فإنه من الطبيعي والمشروع جداً أن يشعر المسلم برد فعل تجاهها لكن وكما هو الحال في كل المواضيع الحساسة يجب عدم التخلي عن العدل وعدم التصرف وفق أفكار مسبقة فكما يجب على كل مسلم أن يعادي ويناهض الحركة الصهيونية فهو مطالب بالوقوف أمام ممارسة الظلم على اليهود أينما كانوا

وكما هو الحال في كافة أنواع الأفكار العنصرية فإن معاداة اليهودية تعتبر مخالفة لأخلاق الإسلام فالمسلم يقف في وجه كافة أنواع المجازر البشرية والتعذيب والظلم بغض النظر عن الدين والعرق والجذور والمسلم لا يوافق على أي هجوم غير مبرر لا على اليهود ولا على غيرهم والقرآن الكريم يلعن من يسعى في الأرض فسادا ويظلم الناس ويقتل بغير حق ولهذا يجب أن لا يتحول رد الفعل المحق ضد الصهيونية إلى عداء لليهود بأي شكل من الأشكال

ومن جهة أخرى فإن معاداة السامية وما شابهها من أفكار عنصرية ما هي إلا ضلالات نابعة من العقائد والأفكار الباطلة الخارجة عن الدين وهذه المعتقدات تدعو إلى نماذج اجتماعية مختلفة تماماً عن أخلاق القرآن فمعاداة السامية تحمل في جذورها الحقد والإرهاب والقسوة وعلى العكس من ذلك فإن القرآن يعلم البشرية الحب والرأفة والرحمة ويأمر المسلمين أن يعاملوا الناس بالعدل والعفو إن اقتضى الأمر حتى ولو كانوا أعداءهم ويقول عز وجل في القرآن الكريم

 
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) المائدة 8  

.
.
هارون يحيى بالعربية
.
.
الهدف من وجود أعراق وشعوب مختلفة على وجه الأرض ليس النزاع والصراع فالاختلاف هدفه إظهار جمال الخلق الإلهي وتكريس الغنى الثقافي والفروقات الخلقية لا أهمية لها عند الله عز وجل والمؤمن يدرك أن الفضل الوحيد للإنسان هو تقواه أي مخافته الله عز وجل وإيمانه به ويقول الله عز وجل

 ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) سورة الحجرات 13


 وكما أن القرآن الكريم لا يفرق بين الأعراق المختلفة فإنه يدعو أصحاب الديانات المختلفة إلى أن يعيشوا في سلام واطمئنان في المجتمع نفسه و يؤكد علينا أمراً آخر وهو أن لا نصدر أحكاماً جماعية على البشر بالاستناد على أعراقهم أو شعوبهم أو دينهم ففي كل مجتمع إنساني يوجد الأشرار والأخيار والقرآن يخبرنا بهذا بوضوح فبعد أن يحدثنا القرآن الكريم عن عصيان قسم من أهل الكتاب لله عز وجل ودينه يخبرنا أن هناك استثناء فيقول

 ( لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ
يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن
يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) سورة آل عمران
113-115


ونتيجة لما سبق فإنه من غير الممكن لنا  نحن المسلمين الذين نفكر بمعايير القرآن الكريم ونخاف الله تعالى ونخشاه أن نعادي اليهود بسبب دينهم ومعتقداتهم ولذا وعند البحث في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ننظر إلى اللأمور من وجهة النظر هذه ولا نستهدف الشعب أو الدين اليهودي بل نستهدف الأيديولوجية الصهيونية التي تحاول أن تنشئ من اليهود دولة عنصرية سفاكة للدماء كما فعلت النازية بالشعب الألماني في السابق

التاريخ اليهودي

كما أسلفنا من قبل فإن فلسطين كلها والقدس خصوصاً تعتبر مقدسة لدى جميع الديانات السماوية المستندة إلى الوحي ذلك أن معظم الأنبياء والرسل الذين بعثوا لإنذار البشرية وتحذيرها عاشوا في هذه الأراضي أو أقاموا فيها فترة على الأقل

وحسب ما يقول المؤرخون بالاعتماد على الحفريات الأثرية والنصوص المقدسة فإن سيدنا إبراهيم هاجر إلى فلسطين التي كانت تدعى أرض كنعان حينها 1800 قبل الميلاد يصاحبه أبناؤه وعدد قليل من تابعيه وتفيد كتب التفسير أن سيدنا إبراهيم عاش ومعه سيدنا لوط في المنطقة التي تسمى الخليل حالياً ويصف لنا القرآن الكريم هجرة سيدنا إبراهيم هذه على الشكل التالي

( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ ) سورة الأنبياء 69-72

وتشير كتب التفسير المتعددة إلى أن الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ التي وردت في سورة الأنبياء  هي أرض فلسطين

وكان الكنعانيون يعبدون الأصنام قبل قدوم سيدنا إبراهيم حيث أبلغهم سيدنا إبراهيم بضرورة عبادة إله واحد قوي عزيز وتفيد المصادر التاريخية أن سيدنا إبراهيم أسكن ابنه إسماعيل في مكة وجوارها بينما أبقى ابنه الثاني إسحاق في أرض كنعان والقرآن الكريم يخبرنا أن بعضاً من بني إبراهيم استوطنوا البيت الحرام وجواره وكتب التفسير توضح أن هذا المكان هو وادي مكة

( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم
مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) إبراهيم37


وفيما بعد هاجر أحد أبناء سيدنا إسحاق وهو يعقوب وبرفقته أبنائه وكان منهم سيدنا يوسف إلى مصر وتجدر الملاحظة أن أبناء سيدنا يعقوب يلقبون ببني إسرائيل وبخروج سيدنا يوسف من السجن وتوليه إدارة شؤون خزائن مصر عاش بنوا إسرائيل في مصر في أمن وطمأنينة

لكن أوضاع بني إسرائيل في مصر تغيرت بمرور الزمن وتعرضوا لظلم شديد من نظام الفراعنة وفي هذه الفترة وهب الله عز وجل النبوة لسيدنا موسى وأمره بإخراج بني إسرائيل من مصر وذهب سيدنا موسى للقاء فرعون ودعوته لترك ضلالاته والإيمان بالله وحده وعبادته وأن يسمح لبني إسرائيل ترك مصر والخروج إلى مكان آخر لكن فرعون أبى واستكبر وبدل أن يخلي سبيل بني إسرائيل هدد القلة التي آمنت بسيدنا موسى بالصلب وبقطع أقدامهم وأرجلهم من خلاف

.
.
هارون يحيى
.
.
بالرغم من أن فرعون أبى أن يسمح لبني إسرائيل بالخروج من مصر إلا أن الله تعالى وبفضل المعجزات التي وهبها لسيدنا موسى أخرج بني إسرائيل من مصر حيث استقروا في شبه جزيرة سيناء وشرق بلاد كنعان 1250 قبل الميلاد تقريباً ويخبرنا القرآن أن الله عز وجل أمر موسى بالرحيل بقومه إلى بلاد كنعان

( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) سورة المائدة 21

وبعد وفاة سيدنا موسى عاش اليهود في بلاد كنعان أي فلسطين وحسب المصادر التاريخية فإن سيدنا داود استلم حكم بني إسرائيل بجوار العام 1000 قبل الميلاد ليؤسس مملكة قوية وفي عصر ابنه سيدنا سليمان امتدت حدود هذه المملكة لتشمل نهر النيل جنوباً ونهر الفرات شمالاً بما فيها سورية وفي هذا العصر شهدت مملكة إسرائيل تقدما كبيراً في جميع المجالات وخصوصاً في المجال المعماري حيث أمر سيدنا سليمان بإنشاء قصر رائع ومعبد في الآن نفسه في القدس وبعد وفاة سيدنا سليمان أرسل الله تعالى إلى بني إسرائيل كثيرا من الرسل لكنهم كذبوا معظمهم وعصوا الله عز وجل في كثير من الأحيان

وبسبب الفساد الذي عم بني إسرائيل انقسمت مملكتهم إلى قسمين ثم احتلتها الدول الوثنية واستعبدتها وكانت روما إحدى هذه الدول وفي عصر الحكم الروماني لفلسطين بعث الله عز وجل سيدنا عيسى نبياً عليهم ليدعوهم لنبذ استكبارهم وخيلائهم ومعتقادتهم الباطلة وترك معصية الله وأن يؤمنوا به وأن يعبدوه وحده لكن قليلاً منهم آمن به فيما عصاه أكثرهم 
وبعدها سلط الله عز وجل الرومان على اليهود وشتتهم بأيديهم من كل فلسطين

 ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) المائدة 78

هدفنا من سرد جميع هذه الحقائق التاريخية هو تفنيد المزاعم الصهيونية بأن فلسطين هي الأرض الموعودة لهم وسوف نخوض في هذا الموضوع بشكل أكثر تفصيلاً في قسم الأهداف الحقيقية للصهيونية

تفسر الصهيونية مفاهيم شعب الله المختار و الأرض الموعودة بوجهة نظرعنصرية وحسب هذه العقيدة فإن كل إنسان ينحدر من النسل اليهودي مختار وهو صاحب الأرض الموعودة ومالكها بينما الصحيح عند الله أن أساس التفاضل بين الناس هو الإيمان والتقوى بغض النظر عن العرق أو القومية والمتمسكون بدين سيدنا إبراهيم أفضل عند الله مهما كانت قوميتهم أو انتماؤهم العرقي

.
.
هارون يحيى


وهذه الحقائق يؤكدها الله تعالى في القرآن الكريم بشكل خاص فالله تعالى يخبرنا أن ورثة إبراهيم ليسوا اليهود الذين يصفون أنفسهم بأنهم أبناء إبراهيم بل المسلمون القائمون على دين إبراهيم الخليل

.