الحياة الإجتماعية للنحل تنظيم وتخطيط مدهش السر في كلمة «أوحى»



العسل غذاء أساسي لجسم الإنسان لكن قليلون هم الذين يعرفون المميزات المذهلة لصانعة العسل النحلة

وكما نعلم إن الرحيق هو مصدر غذاء النحلة وهذا المصدر لا يوجد في الشتاء لذلك فإن النحلة تمزج الرحيق الذي تجمعه في الصيف مع مفرز خاص تنتجه في جسمها لكي تنتج غذاءً جديداً تخبئه للشتاء القادم وهو العسل

ومما يجدر الانتباه إليه أن كمية العسل التي تخزنها النحلة أكبر بكثير من حاجتها الفعلية
والسؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن لماذا لا تتخلى النحلة عن الإنتاج الزائد والذي يبدو وكأنه إضاعة للوقت والجهد بالنسبة إلها؟ والإجابة عن ذلك تكمن في كلمة «أوحى» التي ذكرت في الآية الكريمة

(وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) النحل 68 – 69

فالنحل ينتج العسل ليس لنفسه بل لمصلحة الإنسان وهو كالكثير من المخلوقات الحيّة قد سخرها الله تعالى لخدمة الإنسان كالدجاجة التي تضع بيضة في كل يوم مع أنها ليست في حاجة إليها والبقرة التي تعطي حليباً أكثر مما يحتاج إليه صغارها

التنظيم الرائع في الخلية

يعيش النحل في الخلية وينتج العسل المدهش وبدون الدخول في الكثير من التفاصيل لنبدأ باستكشاف الخصائص الأساسية لحياة النحل الاجتماعية على النحل أن يمارس مجموعة من الأعمال التي يقوم بها بتنظيم وتخطيط مدهش

تنظيم الرطوبة والتهوية


من الضروري المحافظة على نسبة رطوبة معينة في الخلية للمحافظة على جودة العسل وحمايته وإذا زاد أو نقص معدل الرطوبة عن هذه النسبة يفسد العسل ويفقد قيمته الغذائية


وبشكل مشابه فإن حرارة الخلية يجب أن تكون 35ْ مئوية خلال 10 أشهر في السنة وللمحافظة على حرارة ورطوبة الخلية ضمن هذه الحدود تعمل مجموعة من النحل على تهويتها

ومن السهل مشاهدة النحل في يوم حار وهو يقوم بتهوية الخلية حيث يمتلىء مدخل الخلية بالنحل على البنية الخشبية مرفرفاً بأجنحته لتهويتها

وفي خلية النحل المثالية يدخل الهواء من طرفها ويُدفع للخروج من الطرف الآخر حيث تعمل مجموعة من نحلات التهوية الأخرى داخل الخلية (القفير) على دفع الهواء للخروج من زواياها جميعها

هذا ويفيد نظام التهوية هذا أيضاً بحماية الخلية من الدخان وتلوث الهواء

النظام الصحي

إن جهود النحل للحفاظ على نوعية العسل لا تقتصر فقط على تعديل الحرارة والرطوبة داخل الخلية بل يعمل جهاز صحي متكامل داخل الخلية للمحافظة على جميع الأحداث التي يمكن أن تنتج بسبب البكتريا تحت السيطرة

هذا الجهاز مهمته أن يزيل كل المواد التي قد تسبب إنتاج البكتيريا والقاعدة الأساسية التي يعتمد عليها هذا النظام الصحي هي منع المواد الغريبة من الدخول إلى الخلية

 ولتأمين ذلك يقف حارسان على مدخل الخلية بشكل دائم وإذا دخلت مادة غريبة أو حشرة على الرغم من هذه الاحتياطات تعمل النحلات جميعها لإزالتها وإخراجها من الخلية


كما يستعمل النحل طريقة دفاعية أخرى في مواجهة الأجسام الغريبة الكبيرة وإخراجها من الخلية حيث تصبّر النحلة الأجسام الغريبة وتنتج مادة تدعى العكبر تقوم بواسطتها بعملية التصبير

وينتج النحل هذه المادة بإضافة إفراز معين للراتنج الذي يجمعه من أشجار مثل الصنوبر والحور والخروب وتستعمل هذه المادة أيضاً لإصلاح الشقوق في الخلية

 وبعد أن يضاف الراتنج إلى الشقوق ويجف يتفاعل مع الهواء مشكلاً سطحاً قاسياً وبالتالي يستطيع أن يقف بوجه جميع أنواع التهديدات والمخاطر وتستعمل النحلة هذه المادة في الكثير من أعمالها


في هذه المرحلة تتبادر إلى الذهن أسئلة عديدة إن مادة البروبوليس أو العكبر لها خصائص تمنع البكتريا من العيش فيها وبالتالي فإن العكبر هو المادة المثالية لعملية التحنيط أو التصبير

لكن كيف تعلم النحلة أن هذه المادة مناسبة للتحنيط؟ وكيف تنتج هذه المادة التي لا يتمكن الإنسان من إنتاجها إلا ضمن مختبرات خاصة وباستعمال التكنولوجيا والمعرفة الكيميائية اللازمة؟ كيف يعرف النحل أن الحشرات الميتة تسبب البكتريا وأن تحنيطها يمنع ذلك

من الواضح أن النحلة لا تملك أي معرفة حول هذا الموضوع ولا بالمختبرات الموجودة في جسمها فالنحلة هي مجرد حشرة طولها 1 - 2 سم وهي تقوم بذلك لأن الله سبحانه وتعالى أوحى لها به

ماهو سر الأجنحة المزينة بالألوان لدى الفراشات؟

الأجنحة المزينة بالألوان لدى الفراشات

من المعروف ان الفراشات تمتلك أجنحة مزينة بالألوان هذه الأجنحة هي نسبيا أكبر بكثير من صدرها وهنا لابد أن نطرح سؤالا وهو كيف تتشكل هذه الألوان في أجنحة الفراشات ؟

الجواب أن هذه
الفراشات لا تمتلك في أجنحتها اي لون في الواقع فهذه الألوان تتشكل  في أجنحة الفراشات المثيرة للاهتمام من خلال إنعكاس الضوء على أجنحتهافالفراشات لها زوج من الأجنحة الغشائية التي هي في الواقع شفافة حيث يتم تغطية هذه الأجنحة الغشائية عبر مقاييس متفاوتة السماكة والشفافية

إن الأجنحة الغشائية لا يلاحظها أحد أما المقاييس فهي تزيد من الصفات الهوائية في أجنحة الفراشات وتمنحها لونها أما الجداول فهي ذات حساسية خاصة تستوعب ما يحدث

بمجرد الملامسة فهي حساسة جدا بشكل حاد وشائك في أجنحة فراشة وبهذه الطريقة تبقى متوازنة حتى لا تتساقط


 كل من هذه المقاييس الصغيرة تبدو مثل متداخلات منطقية وتحول الى اللون إما عن طريق الصبغات الكيميائية أو عن طريق هيكلها الذي يكسر الضوء الساقط على ألوان قوس قزح كما تفعل فقاعات الصابون

بالإضافة إلى ذلك فإن البحوث المخبرية قد أظهرت أن الألوان المختلفة تعتمد على مواد كيميائية مختلفة تدعى مادة التلوين تلك بالـ تيريدين التي تنشيء اللون الوردي والأبيض والأصفر والتي عادة ما تستجلب النظر في الفراشات

الميلانين الذي هو عبارة عن مادة التلوين الشائعة جدا موجود في البقع السوداء في الأجنحة ومن المثير للاهتمام ان الألوان في أجنحة الفراشات ليست دائما كما تبدو عليه

فعلى سبيل المثال الجداول الخضراء هي في الواقع خليط من جداول اللون الأسود والأصفر وقد أثبتت الأبحاث الأخيرة التي أجريت على أجنحة الفراشة أن الأصباغ التي تتجمع في الجداول والإنزيمات اللازمة لإنتاج الميلانين تكون على الجلد العلوي بمقاييس خاصة

المواد الملونة ليست السبب الوحيد لهذه الألوان شديدة التقلب في الفراشات فهيكلية وترتيب الجداول على أجنحة الفراشة تتسبب في حيل مختلفة مع الضوء مثل الانعكاس والانكسار ليتشكل أخيرا لون من الجمال المبهر

على سبيل المثال فإن فراشة ستيلبنوفيو وفراشة ساليسيس هما فراشتان شبه شفافتان تحتويان على فقاعات معينة ورغم عدم وجود مادة التلوين ضمن هاتان الفراشتان فإن الضوء المار من خلال جداولهما تعطي الفراشة مظهرا مثل الساتان 
على سبيل المثال سطح جناحي فراشة أرغينيس هو سطح لين بشكل لا يصدق مما يخلق انعكاسات فضية وفي بعض الفراشات يكون هنالك صفين متداخلين يعكسان الضوء مما يتسبب في تلون الفراشة بالأزرق بدلا من الأسود أو البني

عندما ندرس هيكل أجنحة الفراشة حتى من خلال النظر في الملونات وحدها فإنه يصادفنا الكثير من المعجزات وجود مثل هذا الجمال الاستثنائي هو بلا شك دليل على قوة الله تعالى في خلقه الذي ليس له مثيل

 كما أنه لا بد من ذكر أنه إلى جانب كون لون جناح الفراشة قد خلق للزينة والألوان فأجنحة الفراشات لها وظائف عديدة هامة أخرى لهذه المخلوقات سنتطرق إليها في المقالات القادمة إن شاء الله


الحروب والإبادات الجماعية والصراعات الأهلية في جميع أنحاء العالم


الحروب الإبادات الجماعية الصراعات الأهلية

لقد كان القرن العشرين والواحد والعشرون قرن الحروب والإبادات الجماعية والصراعات الأهلية فقد أريقت فيه الدماء بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العالم وخلال سنواته لاقى الملايين من الناس حتفهم و أجبر عشرات الملايين على ترك منازلهم كما  انتهى بهم الحال مشوهين أو مصابين أو معاقين

مند القرن العشرين تأسست دول جديدة وانهارت دول أخرى كثيرة وكانت لذلك آثار مهمة للغاية على تاريخ العالم وشهد ذلك القرن حربين عالميتين امتدت أبعادهما لتشمل العالم على نحو لم يسبق له مثيل في القرون السابقة ففي الماضي لم تكن هناك سوى بضعة بلدان تخوض الحروب وعدد محدود من الخطوط الأمامية التي كانت مسرحا لتلك الكوارث ومع ذلك فأثناء الحرب العالمية الأولى وحدها لقي ما لا يقل عن تسعة ملايين شخص مصرعهم وجرح أكثر من عشرين مليونًا آخرين أما في الحرب العالمية الثانية فقد لقي ما لا يقل عن خمسة وخمسين مليون شخص مصرعهم

والحقيقة هي أن أكثر الضحايا معاناة من تلك الحروب لم يكونوا المقاتلين بل كانوا ملايين المدنيين الذين أصيبوا في أثناء تبادل إطلاق النار بالإضافة إلى النساء والأطفال والشيوخ الذين ذبحوا وألِف الناس في القرن العشرين مصطلح الإبادة الجماعية وابتليت مناطق مثل فيتنام وفلسطين وكشمير ورواندا والبوسنة والشيشان بصراعات خلّفت كل منها حصيلة من الأموات وعُذب عشرات الآلاف من الناس وعاشوا بقية حياتهم مبعدين عن أوطانهم

وفي القرآن الكريم يحكي لنا الله جل جلاله كيف أن فترة حكم فرعون مصر كانت شبيهة بهذا العصر ذلك أن المذابح الوحشية التي حدثت في عصر فرعون كانت دائما موجهة نحو الفقراء والمعدمين والعزل ويحكي لنا الله في الآيات التالية كيف عذب فرعون شعبه

( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) القصص 4

وفي عصرنا الحالي تبين التغطية الإعلامية لهذه المذابح الجماعية كيف حاد مرتكبوها عن المبادئ الإنسانية فقد كانوا مجردين تماما من أي نوع من أنواع الحس الخلقي والمشاعر الإنسانية فهم لا يدركون في العادة ما يسعون لتحقيقه وينطبق الشيء ذاته على الحروب ذلك أن المسؤولين عن التخطيط للحروب وزرع بذور الحرب في المجتمعات يفعلون ذلك أملا في تحقيق مصالح معينة ومع ذلك ستجد في أغلب الأحيان أن كثيرا ممن يشتركون في الحرب ليست لديهم أي فكرة عما يحاربون من أجله

إن السبب الفعلي في قسوة قلوب الناس إلى الحد الذي يدفعهم إلى ارتكاب جرائم القتل أو المذابح الجماعية يعود إلى العقلية التي استقوها من قادتهم ففي نظام يُعامَل فيه الإنسان مثل الحيوان ويصطبغ فيه التعذيب والعنف بصبغة منطقية تكون القيم بلا مغزى وإذا نظرنا للأمر من وجهة النظر هذه فستتضح نقاط التشابه بين القادة وجبابرة الأرض الذين يشكلون القوى الدافعة للعنف في عصرنا وبين فرعون وجنوده الذين روى لنا القرآن الكريم عنهم

( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ )  القصص 41-42

الأوجه المشتركة بين معتقدات عبدة الشمس في الماضي ومعتقدات الماديين في الحاضر



عبدة الشمسيوجد تشابه كبير بين المذهب الذي يقوم على أساس عبادة الشمس الذي وُجد منذ قديم الزمان وبين معتقدات الماديين من أصحاب نظرية التطور اليوم فالشمس باعتبارها مصدر الضوء والطاقة دفعت بعض الناس في قديم الزمان إلى اعتبارها إلها يعبد ولقد حجب هذا الاعتقاد الفاسد عبر التاريخ العديد من  المجتمعات عن دين الله الحق ويشير القرآن الكريم إلى هذا الأمر ويحدثنا عن أهل سبأ الذين كانوا يعبدون الشمس في عهد نبي الله سليمان

( وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ) النمل 24-25

وكما نرى فإن عبادة الشمس هي نتيجة الجهل وعدم التفكر فصحيح أن الشمس ترسل الحرارة و الضوء للأرض ولكن يجب على الإنسان أن يشكر الله الذي خلقها لا أن يعبدها هي فالشمس ليست سوى عبارة عن كتلة كبيرة من المادة لا تملك أيّ وعي خلقها الله عز وجل من العدم وسوف يأتي اليوم التي تستنزف فيه طاقتها وتنتهي نعم الله عز وجل هو الذي خلقها وخلق معها جميع الأجرام السماوية من العدم فهو سبحانه المستحق للشكر لأنه سخر لنا هذه الكائنات وهذا ما تذكرنا به الآيات التالية

( وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) فصلت 37

والجدير بالذّكر أن معتنقي نظرية التطور اليوم يؤمنون بنفس الأفكار التي كانت موجودة لدى عبدة الشمس القدماء بادعائهم أننا ندين بوجودنا للشمس فطبقاً لمصادر أصحاب نظرية التطور فإن أصل الحياة على الأرض ترجع إلى الشمس وأن الأشعة الصادرة من الشمس تبعث الحياة للأرض كما ادعوا أيضاً أن الطاقة الشمسية مسئولة عن توالد فصائل حية أخرى وكذلك الأشعة الشمسية مسئولة عن الاختلاف في الكائنات الحية وهذا ما جاء في كتاب لـ كارل ساجان وهو عالم فلكي أمريكي ملحد فقد ورد في كتابه النظام الكوني ما يلي

( عبد أجدادنا الشمس وكانوا بعيدين كل البعد عن الحماقة  فإذا كان من الضروري عبادة قوة أكبر من أنفسنا أليس من المنطقي أن نرجع إلى الشمس والنجوم ؟ )
 
هارلو شابلي وهو عالم فلكي يؤمن بنظرية التطور يوضح موقف
كارل سيجان على النحو التالي

( يرى بعض المتدينين أن البداية هو الله ولكني أقول
إنّ الهيدروجين هو الذي يأتي في البداية)

وهكذا كان اعتقاد شابلي في الوقت الذي يتطور فيه غاز الهيدروجين إلى الحيوانات الأشجار والإنسان وكما هو ملاحظ فإنّ عبودية المادة والطبيعة تتضمن جميع الآراء غير المنطقية التي وضعها أصحاب نظرية التطورفإن دين معتنقي نظرية التطور يعتمد على عبادة المادة والطبيعة


وعلى الصعيد الآخر يدرك الإنسان ذو الحكمة أن العالم والطبيعة لا يمكن أن يكونا نتاج أعمال مواد غير حية وغير مدركة فعلى النقيض ذو الحكمة ينبغي له أن يرى الإدراك المبدع والتخطيط المتقن والفن في كل التفاصيل ويدرك عظمة الله عز وجل في خلقه ولكن لازال العديد من الناس في يومنا هذا عميان عن هذه الحقيقة ويستمرون في عبادة الأشياء وهؤلاء مثل قوم سبأ

( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ) النمل 24 


من عجائب الله في خلقه تبادل المنافع بين النمل و العصافير للحماية من الجراثيم

النمل يفرز مادة للحماية من الجراثيم

توجد في كل مكان نعيش فيه جراثيم تهدد صحتنا وتسبب لنا الأمراض وهذه الجراثيم مثلما تمثل خطرا بالنسبة إلى حياتنا فهي أيضا تهدد حياة بقية الكائنات الحية وعندما نتأمل في هذه الكائنات فإننا نلاحظ أنها تتخذ الإجراءات اللازمة للحماية من هذه الجراثيم

فالنمل مثلا يفرز مواد حمضية لحماية نفسه وهذه المادة تعطل تأثير تلك الميكروبات وبعد ذلك يقوم النمل بإلصاق هذه المادة على جدران بيته وعلى أجسامه أيضا بمعنى أن النمل لا ينتج هذه المواد لحماية نفسه فقط بل يعرف جيدا أنه لابد كذلك من تحصين البيت الذي يعيش فيه فيا ترى كيف أمكن لهذا النمل الصغير أن يفهم كل هذه الأشياء ؟

لا شك أن هذا الأمر ليس نابعا من قدرته وإمكانياته الخاصة فجهله بطبيعة الجراثيم لا تمكنه من اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة منها وإذا فكرنا وقلنا إن النّمل لا بد له أن يحلل الجرثومة ثم ينتج المادة التي تجعل هذه الجراثيم غير ضارة فكيف أمكن له أن يعرف هذه المادة ؟  لنفكر في هذا الأمر معا

يقوم الإنسان بإجراء اللقاحات للحماية من تأثير الجراثيم غير أن هذه اللقاحات تنتج في المختبرات بعد إجراء العديد من البحوث والتجارب وإلى جانب كل هذا فالمتخصصون هم الذين ينجزون كل هذه الأعمال وإلا فإن هذه اللقاحات سوف لن يكون لها أدنى تأثير أو ربما على العكس من ذلك فهي تكون ذات تأثيرات ضارة على جسم الإنسان

بالنسبة إلى النمل فهو من ناحية ليس لديه أية معرفة بهذا الموضوع كما أنه لم يتلق أي تعليم في هذا المجال بل إن التفكير في مثل هذا الاحتمال أمر بعيد عن المنطق فمن الواضح جدا أن النمل جاء إلى هذه الدنيا وهو يعرف كل هذه الأشياء  إن ثمة خالقا  زود النمل بهذه المعلومات فالله رب العالمين والعالم بكل شيء هو الذي ألهم النمل وعلمه الطريقة التي يحمي بها نفسه من الجراثيم

  ولنأخذ الآن مثالا آخر من كائن حي آخر وهوالعصافير ولنر الطريقة التي يتبعها في حماية نفسه من الجراثيم فالجراثيم تتسبب أيضا في إزعاج العصافير غير أن هذه الكائنات لا تفرز مثل النمل مواد حمضية في جسمها ولهذا السبب فإن العصافير قد وجدت حلا مختلفا لهذه المشكلة وهو في غاية الذّكاء

.
العصافير الطيور

فالعصافير تذهب إلى بيوت النمل وتتمدد فيها وتنتظر حتى يأتي النمل فيمر خلال ريشها فيدخل النمل بين الريش باحثا عما يأكله وبهذه الطريقة تلتصق تلك المادة القاتلة للجراثيم بريش العصافير وعلى هذا النحو يكون العصفور قد استفاد من تلك المادة وطهر جسمه من الجراثيم !!

حسنا فمن أين للعصفور أن يعرف أن النمل ينتج مثل هذه المادة ؟ وكيف عرف أن هذه المادة قادرة على إبادة الجراثيم الموجودة في جسمه ؟ لقد اكتشف الإنسان أن النمل يمتلك هذا النظام في الحماية بعد إجراء بحوث كثيرة وباستثناء المتخصصين في مجال علوم الحيوانات فإن أغلب الناس يجهلون هذه المعلومات

أما العصافير والنمل فهي على علم بهذه الأشياء منذ ولادتها وبالإضافة إلى ذلك وبالرغم من أن أحدا لم يعلمها ذلك من قبل فإنها عندما تحس بالحاجة إلى التنظيف تستخدم النمل للتخلص من الجراثيم  إن معرفة العصفور بأن النمل ينتج هذه المادة في جسمه وقدرة العصفور على استعمالها يقودنا إلى حقيقة واحدة فالذي علم هذا العلم لهذين الكائنين هو الله تعالى وفي هذه الآية الكريمة يبين الله عز وجل أن جميع الكائنات تتحرك بأمره وعلمه

( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  ) الحشر 24



المؤمنون لابد سيُخضعون في حياتهم لاختباراتٍ كثيرة لأنها سنة من سنن الله في الكون

المؤمنين لابد سيُخضعون في حياتهم لاختباراتٍ كثيرة

يخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز أن المؤمنين لابد سيُخضعون في حياتهم لاختباراتٍ كثيرةٍ وستكون أنفسهم وأموالهم موضع امتحان كان ينصب لهم الأعداء شراكاً كثيرةً أو يتهمونهم باطلا وزورًا وبمعنىً  آخر المؤمنون لابد سيواجهون مكاره جمةً في كل مراحل حياتهم والمهم من كل ذلك هو متابعة سلوكهم الإيماني انسجاما مع أخلاقيات القرآن الكريم في أوقات الشدائد فيبقون لربهم ذاكرين ولإنعامه شاكرين مطمئنين أن كل ما يصيبهم سيكون عقباه الخير المحض

ومن  البديهي أن يتحلى المؤمن بهذه الأخلاق وهو في رحب العيش ورغده عما لو حدث ذلك كله وقت الشدائد والكربات وعدم مساومة المؤمنين على سلوكهم الأخلاقي المستقيم هو أنصع دليلٍ على قوة إيمانهم والثبات عليه فالمسلمون الذين تجرعوا مرارة الصبر على الفقر والجوع والخوف والخسارة المعنوية والمادية ومكابدة المرض وتهديد الأعداء لهم والافتراء عليهم ونصب  شراك  الخديعة لهم لابد سينالون  أعظم  الثواب جزاء تمسكهم بالفضائل الخلقية

ويقدم لنا القرآن الكريم نماذج من الظلم والطغيان الذي عاناه الأنبياء عليهم السلام ومن كان معهم من المؤمنين وقصة طغيان أحد الفراعنة على شعبه هي إحدى هذه النماذج القرآنية ويعلمنا الله سبحانه أن ذلك كله إنما هو تمحيص منه لعباده المؤمنين

( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ) البقرة 49

أوضحت  هذه  الآية  أن كل ما يضعه الأعداء من عوائق في طريق الخير ماهو إلا امتحان  لأهل  الإيمان فثباتهم على الفضيلة وشجاعتهم وسكينتهم عند تعرضهم للملمات والابتلاءات ستضاعف ثوابهم وترفع درجاتهم في جنات الخلد ويصف لنا القرآن الكريم حال المؤمنين وما سيعانونه وصور ثباتهم على الحق فيقول

( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )  البقرة 155-157

إن الثقة بالله والاستسلام لأمره المذكورين في الآية السالفة لهي أروع  مثال يحتذي به جميع المسلمين أما الغافلون عن هذه المعاني فلن يفقهوا معنى لهذه الثقة لأنهم يتصرفون وفق معاييرهم الفاسدة المنحرفة وهم يظنون أن الطريق الوحيد لجمع الثروة هو انغماسهم في حمأة رذائلها فلا يستطيعون مواجهة الشدائد فيفترسهم الخوف ثم  ينبذبون إيمانهم والعياذ بالله تعالى

أما المسلمون الذين فهموا سر الاختبارات في الحياة الدنيا فهم يعرفون أن أفضل ما يمكن عمله في مثل هذه الظروف هو الاحتساب والصبر فهم يصطبغون  بأخلاق القرآن ويبذلون ما بوسعهم لترسيخها في نفوس الآخرين إذاً فكل المشكلات التي  تعتريهم  إنما تقدم لهم دليلاً إضافياً أنهم ماضون على صراط الله المستقيم

وكثيراً ما يخبرنا ربنا عز وجل في القرآن الكريم عن السنن التي لا تبديل لها ولا تحويل على مدار التاريخ وتعرض المؤمنين لألوانٍ من الشدائد والكرب بسبب شتى أصناف المظالم التي ينزلها بهم الأعداء هو إحدى هذه السنن دون أن ينجز الأعداء أياً من أغراضهم وهذه واحدة  من بين الابتلاءات التي نبه الله تعالى المؤمنين على إمكانية مواجهتها وأنهم سيدخلون الجنة  إذا صبروا في مواجهتها كما فعل  أسلافهم من قبل


تجربة ميلر يوري قديماً التي فسَّرت و أنارت قضية أصل الحياة المزعومة

تجربة ميلر يوري Miller–Urey experiment

إذا  نظرتم إلى المصادر التي تتحدث اليوم عن أصل الحياة فهناك احتمال كبير أنكم سوف ترون أنها أشارت إلى  تجربة ميلر يوري Miller–Urey experiment  باعتبارها أكبر دليل على الأطروحات التي يدافعون عنها تروي كتب الدراسة المتعلقة بالأحياء في عدد كبير جدا من الدول للطلاب إلى أي مدى كانت هذه التجربة بمثابة استنتاج مهم للغاية وكيف أنها هي التي  فسَّرت و أنارت قضية أصل الحياة المزعومة وقد أُهملت تفاصيل التجربة في كثير من الأحيان فيتم إهمال ما أسفرت عنه التجربة و إمكانية أن تكون هذه النتيجة قد سلطت الضوء على مسألة أصل الحياة

وحتى يمكن أن نسلط الضوء على هذه التجربة دعونا أولا نلخص باختصار الحقائق التي أفردنا لها مكاناً بشكل مفصل في ثنايا دراستنا

قام ستانلي ميلر الطالب في قسم الكيمياء بجامعة شيكاغو تحت إشراف استاذه هارولد سي يوري أيضا بتجربته في عام 1953 حيث هيأ خلالها جواً مكونا من مزيج من الغازات افترض أنه أشبه ما يكون بذلك الذي وُجِدَ في العالم البدائي بعد ذلك قام بتوصيل تيار كهربائي إلى داخل هذا المزيج لمدة استمرت أسبوعا تقريباً و في نهاية هذه الفترة لاحظ أن بعض الأحماض الأمينية المستخدم منها و غير المستخدم  في الكائنات الحية قد تركبت و تمازجت مع بعضها البعض

.
ستانلي ميلر Stanley Miller

والواقع أن الأحماض الأمينية هي لَبِنَات البناء الخاصة بالبروتينات التي تعتبر بدورها الأسس الأكثر أهمية التي يحتاج إليها الجسم فتتحد مئات من تلك الأحماض الأمينية مع بعضها البعض بشكل مرتب داخل الخلية وبذلك تتكون البروتينات كما أن الخلايا تأتي من البروتين في عدة آلاف من الأنواع المختلفة أي أن الأحماض الأمينية هي أكثر الأجزاء صغراً في الكائنات الحية

ولهذا السبب أيقظت العملية التي قام بها ميلر حماساً كبيراً بين أنصار التطور وولدت  أسطورة
تجربة ميلر يوري التي ستستمر عشرات السنوات بيد أن هذه الأسطورة كانت فاشلة وغير صالحة و قد بدأت هذه الحقيقة في الظهور بشكل تدريجي وببطء فثبت أن الجو في السبعينات من القرن العشرين لم يكن يحتوي على غازي الميثان و النشادر و بدلا من ذلك كان يتركز و بشكل رئيسي غازا النيتروجين و ثانى أكسيد الكربون و هذا ما جعل سيناريو ميللر أيضاً لا يفضي إلى شيء لأن هذه الغازات التي نتحدث عنها ليست ملائمة على الإطلاق لتكوُّن الحامض الأميني و قد لُخصت هذه الحقيقة في مقالة نشرت بتاريخ 1998 في مجلة الجيولوجيا على النحو التالي

( اليوم أصبح السيناريو الذي افترضه ميللر يواجه بالشكوك و أحد أسباب ذلك كان تسليم علماء الجيولوجيا أن الجو في المرحلة البدائية كان يتكون بشكل رئيسي من ثانى اكسيد الكربون و النيتروجين أما هذه الغازات فكانت نشطة و فعالة و لكن بشكل ضئيل أكثر مما هو مستخدم في 
تجربة ميلر يوري التي أجريت في عام 1953)  8

و قد تم إفراد مكان للظروف المتعلقة بهذا الموضوع أيضاً في إحدى المقالات التي نشرت في العام نفسه في مجلة ناشونال جيوغرافيك وهي من المجلات الشهيرة المتخصصة

( يعتقد عدد كبير جدا من العلماء اليوم أن الجوّ الذي وُجِدَت فيه الحياة البدائية كان مغايراً لذلك الذي زعم به ميلر و هم يرون أن الهواء في البيئة البدائية كان يتكون ثاني أكسيد الكربون بشكل أكبر من الهيدروجين و الميثان و النشادر وكان هذا بمثابة الخبر السيّء بالنسبة إلى الكيميائيين ! وقد كانت مقادير المركبات العضوية التي حصلوا عليها عندما أدخلوا ثاني أكسيد الكربون والنّيتروجين في التفاعل كانت عديمة القيمة )  9

يعتبر التّعليق الذي حواه المقال الذي نشره جون كوهين John Cohen في مجلة العلم في عام 1995 بمثابة المفسر لهذا الموضوع أيضاً فقد بيَّن كوهين أن العلماء الذين بحثوا في أصل الحياة لم يأخذوا
تجربة ميلر يوري بعين الاعتبار ولخّص السّبب وراء ذلك كما يلي

( لأنّ الغلاف الجوي أو الهواء في الحياة المبكرة لم يكن يتشابه
مع ادعاءات ميللر و أوري ) 10

و هناك نقطة أخرى أثبتت عدم صلاحية 
تجربة ميلر يوري ألا و هي الإعلان عن احتواء الهواء في المراحل المبكرة من الحياة على كمية وفيرة من غاز الأوكسجين كل ذلك أدخل سواء  تجربة ميلر يوري أو سيناريوهات الكيميائيين الآخرين في طريق مسدود لأن الأوكسجين له خاصية أكسدة كافة الجزيئات العضوية وقيام أنظمة أنزيمية خاصة للغاية موجودة في الجسم بمنع هذا الخطر لذا فإنّ عدم أكسدة أو عدم احتراق جزيء عضوي يتحرك بطلاقه في الطبيعة نتيجة اتحاده بالأوكسجين هو في حقيقة الأمر ضرب من ضروب المستحيل

وعلى الرّغم من كل تلك الحقائق ظل يُشار إلى 
تجربة ميلر يوري طيلة عشرة سنوات كما أوضحنا في السابق على أنّها اكتشاف علمي مهم للغاية في تفسير أصل الحياة وقُدِّمت إلى الطلاب في كتب الأحياء الدراسية على النحو نفسه و خلال هذا التقديم ل تجربة ميلر يوري كانت تُختار العبارات المُوَجِّهة مثل  لقد أشار ميلر إلى الكيفية التي تتألف بها المركبات العضوية مع بعضها البعض أو  لقد أشار ميلر إلى الكيفية التي تكونت بها الخلايا الحية الأولى

وبذلك يكون هناك عدد كبير جداً من المتعلمين قد غُرِّر بهم و تم خداعهم في هذا الموضوع  فعلى سبيل المثال من الممكن أن تصادفنا  في بعض المقالات التي تتحدث عن نظرية التطور عبارات مثل تنشأ الحياة عندما تمتزج المواد العضوية مثل الحامض الأميني و البروتين مع بعضها البعض وتغلي، ومن ثم تبدأ الحيوية ويدبّ النشاط  و هذا هو واحد من المعتقدات الباطلة التي خلفتها أسطورة 
تجربة ميلر يوري في الاذهان

والحقيقة هي أن أحدا لم ير في أي وقت من الأوقات أن الحياة تنشأ وتتكون عندما تختلط المواد العضوية مثل الحامض الأميني و البروتين و تُغلّى معاً  ف
تجربة ميلر يوري التي حاولت تفسير الحياة بتكون الأحماض الأمينية هي كما أوضحنا في السابق تجربة قديمة لا يعترف العلم بأي صلاحية لها تماما مثل تجارب جان بابتيستا فان هيلمونت أو أثانيسيوس كيرتشر التي افترضت أن اللحم الذي يوجد به دود يعد دليلاً على التولد التلقائي

و يقيم جيريمي ريفكن نفس التشابه في كتابه الذي يحمل عنوان سقوط داروين  فلو أن العلماء قد تحملوا مشقة الإحساس بمقدار ضئيل من الشك و الريبة فإنهم كانوا قادرين على أن يروا و يميزوا  في لمح البصر أن هذه التجربة
تجربة ميلر يوري  لا تتعدى كونها حكاية نظرية تخمينية تماماً مثلما فعل رجال العلم في السنوات السابقة لذلك عندما زعموا أن الحياة تخرج من المادة الجامدة بعد أن لاحظوا يرقات الذباب التي خرجت من الزّبالة ) 11
.
Jeremy Rifkin  جرمي ريفكين

و هناك نقطة مهمة للغاية لم يستطع أولئك الذين يعتقدون أن  تجربة ميلر يوري هي اكتشاف علمي مهم وهذه النقطة هي أن ميلر قد قام بتجربته مُهيئاً شروطا اصطناعية وضعها هو أي ليس لها أدنى علاقة بالهواء أو الغلاف الجوي في تلك الرحلة البدائية من الحياة بمعنى أن ظروف التجربة لم تكن صحيحة و الأهم من ذلك كله أنه تمكن من تركيب الحامض الأميني فقط دون أن يقدم دليلا قاطعاً على أنّ تكوُّن الحامض الأميني يعني تكون الحياة

 فلم تشر أية تجربة أجريت حتى الآن إلى أن الأحماض الأمينية تُنظَّم عن طريق المصادفة أو من تلقاء نفسها كما أنها لم تكون بروتيناً وظيفياً ولكي توجد الحياة فلا بدّ من أن تتكون شفرات الـ DNA الحامض النووي الريبي منقوص الأوكسجين و كذلك الأنزيمات التي تفسر هذه الشفرات و يجب أن يتكون أيضاً غشاء خلية نفَّاذ إلى غير ذلك من عمليات أخرى أي أنه يجب أن تتكون أنظمة معقدة للغاية

و لم يُشر في أي وقت من الأوقات إلى إمكانية حدوث تطور كيميائي مثل هذا بل و الأكثر من ذلك أن الاعتقاد في شيء كهذا هو على وجه الدقة اعتقاد بالمستحيل و كان لـ بول دافيس Paul davies  وهو فيزيائي له شهرة عالمية و له كتابات علمية  تعليقه الخاص أيضا بخصوص هذا الموضوع

( يعتقد بعض من العلماء أن الحياة تتكون من تلقاء نفسها بمجرد إضافة قدر من الطاقة فقط و هذا يتشابه بالضبط مع قولنا  لنضع ديناميت تحت كومات من لبنات الآجُرّ ثم لتنفجر هذه الكومات و جرَّاء هذا الانفجار سوف يتشكل بيت ! و مما لا شك فيه أن هذا الانفجار لن يسفر إلا عن وجود حالة من الفوضى والتشوّش و لن يتكون البيت بحال من الأحوال وتكمن الصعوبة  في تفسير أصل الحياة في السؤال كيف يمكن أن يُفَسَّر ذلك البناء المنظم و المعقد الذي تتداخل فيه الجزيئات بأن هناك طاقة دخلت إليه عن طريق المصادفة و كيف أتت الجزيئات المعقدة تعقيدا نوعيا للغاية بنفسها في مكان واحد و بهذا الشكل و ذلك الترتيب الدقيق ) 12

الواقع أن المثال الذي ساقه باول دافيس يجعل الحل الواقعي الصحيح لقضية أصل الحياة يكمن في داخل القضية نفسها فلو كان هناك منزل في مكان ما فهل من المنطقي أن نفترض أن هذا المنزل قد تكون نتيجة تفجير اللبنات التي يبنى بها هذا المنزل بالديناميت وهل من  الممكن أيضا أن نختلق نظريات عن موضوع كهذا ؟ أم أن المنطقي بالفعل هو أن نقبل بأن هذا المنزل لم يتكون نتيجة انفجار الديناميت وإنما جاء نتيجةً لترتيب و بناء هندسي متقن ؟ أعتقد أن الإجابة واضحة للغاية

وسبب هذا أيضا أنه قد وَضَحَ في العشرين سنةً الأخيرة وبشكل أكثر تفصيلا التعقيدات الموجودة في موضوع الحياة هذا و من أجل هذا هجر العلماء  خرافة التطور الكيميائي و بدأوا يبحثون عن جوابٍ جديد شافٍ لموضوع أصل الحياة وهذا الجواب هو حقيقة الخلق

إن  المنشأ الأهم الذي يمكن أن يكون سبباً لإدراك واضح لحقيقة الخلق هو ذلك التعقيد الذي لم يكن لأحد حتى أن يتخيله في زمن داروين و يتحدث البروفيسور في الكيمياء الحيوية ميشيل بيهي Michael Behe من جامعة Lehigh  في كتابه صندوق داروين الأسود الذي نشر في عام 1996 عن كشف التعقيد الموجود في الحياة و النشوء بقوله

( يعمل علم الكيمياء الحيوية مند منتصف عام 1950 على إيصال كافة الأعمال الخاصة بالحياة على مستوى الجزيئات إلى مرحلة الوضوح و إزالة الغموض و لم يكن العلم  مع درجة التطور التي وصل إليها في القرن التاسع عشر ليكتشف أنظمة عمل أجهزة الجسم المختلفة مثل جهاز الإبصار و جهاز المناعة أو آليات الحركة

أما علم الكيمياء الحيوية الحديث فقد فتح الطريق لتحديد الجزيئات التي تؤدي هذه الوظيفة و ما شابهها من وظائف أخرى بيد أن هذا الانتظار قد تلاشي تماما فقد تمكن العلم من إثبات أن عميلة الرؤية و آليات الحركة و الوظائف الاحيائية الأخرى أقل تعقيداً من الكاميرات التلفزيونية و السيارة وقد بذلت محاولات كبيرة إلى  حد ما كان الغرض منها محاولة فهم الكيفية التي تشكلت بها كيمياء الحياة إلا أن النظام الدقيق والحساس على مستوى الجزيئات في الأجهزة الاحيائية و ما بها من تعقيدات أصاب العلم فيما يخص بموضوع تفسير أصلها بحالة من الشلل

لقد زعم كثير من رجال العلم معتمدين على ثقتهم في أنفسهم أن التفسير في أيديهم أو قالوا إنهم سيتوصلون في القريب العاجل إلى هذه التفسيرات إلا أنهم لم يتمكنوا من إيجاد دليل واحد فقط يدعمهم في المدونات العلمية المتخصصة و الأهم من هذا أنه تبين عندما تم بحث البناء الخاص بالأجهزة أنه لا يمكن تفسير آليات الحياة وفق ما ورد في افتراضات داروين على الاطلاق) 13

حسناً إذن ما هي الأشياء المعقدة إلى هذا الحد و التي توجد داخل الخلية ؟ يلخص
ميشيل بيهي الإجابة عن هذا السؤال كما يلي

( توصل العلم في الفترة القصيرة بعد عام 1950 إلى نقطة يمكن عن طريقها تحديد خصائص و اشكال جزء من الجزيئات في الكائنات الحية و نتيجة لأبحاث طويلة اكتشفت بالتدريج البنية الاحيائية الخاصة في الجزيء و تم كذلك عن طريق عدد لا يحصي من التجارب التوصل إلى تفسير طرق عملها وآلياتها و أشارت النتائج مجتمعة إلى أن الحياة مبنية في الأساس على ماكينات و أن هذه الماكينات تتكون هي أيضا من الجزيئات ! و تحمل الجزيئات أحمال الماكينات من مكان داخل الخلية إلى آخر داخل الخلية أيضاً و تحمل من جديد بواسطة  الطرق الرئيسية  التي تسببها الجزيئات الأخرى و في تلك الأثناء تتحرك  الأخرى و تقوم بوظيفة السلك و الحبل و البكرة حتى يمكن الاحتفاظ بشكل واحد للخلية

وتقوم الماكينات بفتح و غلق المفاتيح الخاصة بالخلية وهي تقتل الخلية في بعض الأحيان و تتسبب في أحيان أخرى في ضمان تطورها و تحصل الماكينات التي تعمل بطاقة الشمس على طاقة الفوتون وتقوم بإخفائها داخل المواد الكيميائية و تضمن الماكينات الكهربية عملية مرور التيار من الاعصاب و تعمل الماكينات التي تقوم بالإنتاج على إنشاء ماكينات الجزيئات الأخرى المثيلة لها و تسبح الخلية مستخدمة الماكينات و تقوم بنسخ نفسها و تتغذى بواسطة الماكينات أيضاً باختصار إن الماكينات و الجزيئات المعقدة إلى حد ما تتحكم في أية عملية خلوية خاصة بالخلية و قد تم ضبط تفاصيل الحياة بدقة و في النهاية أصبحت ماكينات الحياة على درجة من التعقيد ) 14

لقد لفت الفيزيائي وعالم الاحياء جيرالد سكرودر Gerald Schroeder الانتباه إلى التعقيد الفائق الموجود داخل الخلية


جيرالد سكرودر Gerald Schroeder
(  تعمل كل خلية موجودة في أجسادكم على تكوين حوالي 2000 بروتين في الثانية الواحدة و لا مكان للراحة و لو لثانية واحدة داخل الخلية و الخلايا تقوم بهذا بشكل متواضع لدرجة أننا لا نشعر على الاطلاق بهذا القدر من النشاط فالبروتين هو سلسلة تتكون من مئات من الاحماض الأمينية فهو يختار ما يربو على خمسمائة حامض أميني تتكون من حوالي عشرة ملايين ذرة وبعد ذلك يأتي بها جميعا في مكان واحد و يرتبها في سلاسل تم اختيارها من قبل و هو يتحكم في تعرج أو عدم تعرج كل سلسلة من هذه السلاسل بشكل نوعي و يقوم بعد ذلك بإرسال كل بروتين إلى أماكن محددة بعضها خارج الخلية و البعض الآخر داخلها و هي المسئولة عن إعطاء الإشارة عند الحاجة إلى هذا البروتين الخاص و تتكرر هذه العملية في كل خلية في كل ثانية إن بدننا هو بحق معجزة حية )  15

و كما أوضح باول دافيس فهذا الزعم القائل بأن هذا البناء المعقد الخارق للعادة هو نتاج للصدفة و لقوانين الطبيعة يتشابه و إمكانية إنشاء منزل بوضع ديناميت تحت اللبنات التي يصنع منها هذا المنزل لهذا السبب وقف الداروينيون عاجزين أمام تعقيدات الحياة و يتحدث
ميشيل بيهي ايضاً عن عدم وجود أي تفسير تطوري يتعلق بأصل الحياة في أي من المنشورات العلمية و يقول

( لو أنكم دققتم في المنشورات العلمية التي تناولت موضوع التطور و ركزتم في خلال ذلك على الماكينات الجزيئية أي على أصل الحياة فلن يقابلكم إلا خوف و صمت يشوبه الشك و الريبة لقد أصابت تعقيدات الحياة المحاولات العلمية التي اجريت لحساب ذلك بحالة من الشلل و شكلت الماكينات الجزيئية عائقا أمام داروين لا يمكن اجتيازه ) 16

خلاصة القول أن أصل الحياة أصبح واحداً من الحقائق المهمة التي أودت بنظرية التطور إلى الانهيار حسناً إذن لماذا يصر أنصار نظرية التطور على الدفاع عن نظرية داروين حتى الآن ؟ و في اعتراف له تحدث
هارولد سي يوري و هو أحد معماريِّ تجربة ميلر على النحو التالي

( كنا نحن من بحث في موضوع أصل الحياة و مهما بذلنا من جهد و أجرينا من أبحاث فلن نصل إلا إلى نتيجة واحدة هي أن الحياة معقدة إلى درجة يستحيل معها أن تكون قد تطورت في أي مكان إلا أننا نؤمن جميعاً وبتعبيرعقائدي بأن الحياة قد تطورت من مادة ميتة جامدة موجودة على سطح كوكب الأرض إن الحياة معقدة إلى درجة يصعب معها علينا أن نتخيل الكيفية التي تطورت بها )  17

 لقد أعلن
هارولد سي يوري و بيَّن أنه و عدد كبير جدا من زملائه يؤمنون بأن أصل الحياة قد جاء عن طريق المصادفة و الحقيقة أن هذه النظرية لا تنطوي على وجهات نظر علمية بقدر اعتمادها على اعتقادات باطلة و يطلق على هذا الاعتقاد الذي لا يوجد به شيء غير المادة و يجب أن يأتي معه تفسير أي شيء أيضاً بالمؤثرات المادية اسم الفلسفة المادية وبسبب هذه الفلسفة يوجد من يدافع عن الدارونية التي انهارت من وجهة النظر العلمية  بشكل آلي أعمى و لكن هذا أيضاً لن يُكسب النظرية عمراً أطول
.
الخلية مصنع عملاق  معقد للغاية

ساد الاعتقاد في عصر داروين أن الخلية ما هي إلا كيس يملؤه سائل إلا أن الابحاث التي اجريت في السنوات الاخيرة أثبتت أن الخلية عبارة عن بناء معقد للغاية يتكون من مواد عضوية كثيرة للغاية

أظهر علم الاحياء الجزيئي في عصر داروين أن الحياة معقدة  لدرجة لا يمكن للخيال حتى أن يتقبلها نعرف اليوم أن الخلية هي بناء أرقى من كل الآثار التي صنعها الانسان و هذه الحقيقة تدحض نظرية داروين التي تدعي أن الحياة نتاج للمصادفات فقط

يعتبر الحامض النووي منقوص الاوكسجين DNA الذي يُظهر البناء الجيني للخلية أكثر الاجزاء شمولاً في بناء الخلية المعقد وقد توصل العلماء إلى  معلومات مهمة و قيمة للغاية عن شفرة الـ DNA  بعد أن أنفقوا أموالا طائلة في أبحاث امتدت لسنوات طويلة ومع ذلك فلا زال التكامل الموجود في البناء الجيني للخلية محتفظ بسره الاكبر حتى الان و يأتى البناء المعقد للـDNA و الحياة التي يحويها والمعلومات التي يضمها بناءه العظيم في مقدمة الموضوعات التي ظلت لغزا يحير الذين يريدون تفسير ظهور الحياة باعتباره امرا ناتجا عن المصادفات وحدها




8- "The Cru­cib­le of Li­fe", Earth, Şu­bat 1998
9- "Ori­gin of Li­fe on Earth", Na­ti­onal Ge­og­rap­hic, Mart 1998
10- Jo­nat­han Wells, Icons of Evo­lu­ti­on, Sci­en­ce or Myth, Why Much of What We Te­ach Abo­ut Evo­lu­ti­on is Wrong, Was­hing­ton, DC, Reg­nery Pub­lis­hing, 2000, p.21
11- Je­remy Rif­kin, Dar­win'in Çö­kü­şü, Ufuk Ki­tap­la­rı, İs­tan­bul 2001, s.133
12- Pa­ul Da­vi­es, C.W. [re­no­uned physi­cist] & Adams Phil­lip [jo­ur­na­list], "Mo­re Big Qu­es­ti­ons," ABC Bo­oks: Sydney, Aust­ra­lia, 1998, ss.53-54, 47-48, 48
13- Mic­ha­el J. Be­he, Dar­win'in Ka­ra Ku­tu­su, "Ev­rim Te­ori­si"ne Kar­şı Bi­yo­kim­ya­sal Za­fer,  Ak­soy Ya­yın­cı­lık, 1998, s.8
14- Mic­ha­el J. Be­he, Dar­win'in Ka­ra Ku­tu­su, s.14
15- Ge­rald L. Schro­eder, Tan­rı'nın Sak­lı Yü­zü, Ge­le­nek Ya­yın­cı­lık, Ni­san 2003, İs­tan­bul, ss.67-68
16- Mic­ha­el J. Be­he, Dar­win'in Ka­ra Ku­tu­su, s.15
17- W. R. Bird, The Ori­gin of Spe­ci­es Re­vi­si­ted, Nash­vil­le: Tho­mas Nel­son Co., 1991, p.325


العبادات لا تقف فقط عند أداء الصلاة والصيام والحجّ والزّكاة

العبادات لا تقف فقط عند أداء الصلاة والصيام والحجّ والزّكاة

يعلمنا الله في القرآن أنّه خلق الإنسان ليعبده في الأرض وليس الإنسان فقط بل كلّ شيء خلقه الله الهدف منه هو عبادته و تسبيحه سبحانه وتعالى فعبادة الله عز جل فوق كل شيء لذلك يكون المؤمن خلال العمر القصير مستعدا للآخرة فيسعى إلى كسب مرضاة الله في كل لحظة من لحظات يومه
.
( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات 56

المؤمن يعي جيدا أن العيش وفقا لأخلاق القرآن ليس في جانب العبادات فقط كالصلاة والزكاة  بل تعبُّده يشمل جميع جوانب الحياة كلها فيحرص دائما على تطبيق أوامر الله تعالى ويسعى إلى فعل الخير والعمل الصالح أكثر فأكثر

( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) الأنعام 162

المؤمن إذن دائما وراء خير الأعمال وأحسنها دون انقطاع ولا توقف و المؤمن الحق هو من إذا أنهى عملا بدأ في غيره لأن كل لحظة من حياته ينبغي أن تكون في عبادة الله وكسب مرضاته لأنه يعلم أنه سيقدم على حساب عسير في الآخرة لذلك تراه يحرص على قضاء كل لحظة من لحظات حياته في الأعمال الصالحة طمعا في كسب مرضاة الله وتطبيق أوامره كما جاء في قوله تعالى

( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ) الشرح 7

( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ

هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ) مريم 65

الإنسان الغافل يتعامل مع هذا الموضوع بمنطق ظالّ مثل الشك في اليوم الآخر وغير ذلك من الأفكار المنحرفة لكنّه يقوم في بعض الأحيان بالعبادات بشكل عرضيّ فبعض الناس هدفه الوحيد إصابة ما لذّ و طاب من الدنيا لذلك تراه يظهر حرصا شديدا على الدنيا فيسعى جاهدا إلى أن يكون غنيا أو صاحب منصب أو تحقيق منافع من الآخرين  وتجده يدخل في سباق كبير من أجل ذلك المتاع القليل
الذي سيذهب عنه هباءً بعد مدّة قصيرة من حياته أمّا المؤمنون الراغبون في الجنة الساعون فقط لكسب مرضاة الله فقد عرّف القرآن الكريم خصائصهم في قوله تعالى

( وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ
كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً ) الإسراء 19

.
المؤمن الحق هو من يقضي يومه جاهدا لكسب مرضاة الله ويقوم بواجباته الدينية على الوجه الأكمل و كلّ أفكاره وتصرّفاته هي في سبيل الله تعالى فهو يفكّر في قدرة الله اللاّمحدودة  وعلمه الواسع وجمال خلقه وغيرها من صفات الله تعالى

( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ
عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) الكهف 28

إنّ المؤمن الذي يتخذ من الأخلاق القرآنية طريقا إلى الجنة يكون حريصا جدّا على أداء الصلاة في أوقاتها ولا يسمح لمشاغل الدنيا أن تلهيه عن أداء عباداته وهو يؤدّيها بكلّ فرح وخشوع لأنّها وسيلة تقرّبه من الله عز وجل

أمّا الّذين يؤدّون الصلاة رياء أو خشية من النّاس فلا يعيشون لذّة العبادة للذلك تجدهم أثناء الصلاة يصرفون أذهانهم إلى أشياء أخرى عوض أداء الصلاة ولا يفكّرون في الأعمال التي تقرّبهم من الله تعالى فتتشتت أفكارهم في المشاكل اليومية لذلك نبه الله تعالى هؤلاء في قوله تعالى

( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ
وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون )  الماعون 3-7


إن مثل هؤلاء يظنون أنّهم يتعبّدون من أجل مرضاة الله دون الخوف من الله ولا التفكير فيه ودون الإحساس بوجوده والتقرّب إليه فهم في غفلة من أنفسهم فالتقوى هي الطريق الوحيد للتقرب إلى الله تعالى

نودّ التوقف عند نقطة مهمة في موضوعنا وهي أن بعض الناس يحصرون العبادات في أشياء محدودة  فيظنون أن العبادات هي مجرد تطبيق بعض أوامر الله فقط غير أنّ العبادات لا تقف عند أداء الصلاة والصيام والحجّ والزّكاة وجملة الفرائض فقط فالعبادة بمعنى التعبد أي أن يكون الإنسان عبدا لله في كلّ حركاته وسكناته وتصرّفاته و بقدر ما تكون الصلاة فرضا واجبا على الإنسان كذلك الابتعاد عن الغضب والالتزام بالقول الحسن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجنب الظنّ والابتعاد عن الجدال كلّ هذا من صميم العبادة

لذلك يجب الالتزام بكلّ حرص وثبات بالعبادات الفعلية والعبادات الأخلاقية معا وباختصار على المؤمنين تطبيق كلّ الأحكام القرآنية بكلّ دقّة وعناية

يعتبر التبليغ أي دعوة الناس إلى الطريق الحقّ وفعل الخير وتجنب الشكّ من أهمّ العبادات التي كلّف بها المؤمنون وهي جزء من حياتهم اليومية فالمؤمن بحديثه وتصرّفاته ونشاطه في كلّ الميادين الحياتية مطالبٌ بالحديث عن الدين ومطالبٌ بأن يكون نموذجا يحتذى به وهذا التكليف ليس أمام الذين لا يعرفون الدّين فقط بل هو مطالب بنفس الخُلق في محيطه ومع إخوانه المؤمنين فيكون مثالا للأخلاق العالية عملا بقوله تعالى

( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ
وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة 71 

.
على المؤمن اتباع كلّ الوسائل الممكنة لدعوة الناس إلى الأخلاق القرآنية فيقنعهم بأن الله واحد أحد له الصفات الحسنى خلق الإنسان للعبادة في الأرض و يعلّم الناس السلوك الذي يحبه الله والعيش ضمن الأخلاق القرآنية وينير لهم طريق الحق ويتبادل معهم الحديث عن الجنة والنار ويوم القيامة

إن حديث المؤمنين فيما بينهم ينبغي أن يتركز على التواصي بتطبيق الأحكام الشرعية ودعوة بعضهم البعض إلى التخلق بأخلاق القرآن بكل إخلاص وباختصار التبليغ هو هداية الناس إلى السلوك الأخلاقي المقبول عند الله

المؤمن يعتمد على الحوار والحجة والعلم كوسائل للتبليغ ويمكننا اليوم الاستفادة من التطورات العلمية في هذا الخصوص فيمكن استعمال الراديو والتلفزيون والأنترنت والكتب والمجلات والجرائد والرسائل وغيرها وسائل لتبليغ الدعوة

إنّ المؤمن الملتزم بالأخلاق القرآنية يجب عليه أن يتهيّأ للاضطلاع بمهمّة الدعوة وذلك من خلال كسب المعرفة والإلمام بكلّ الميادين والتسلح بالعلم حتى يشرح للآخرين الدين على الوجه الصحيح بمعنى على المؤمن أن يستعدّ معنويّا وعلميا فيكون قادرا على الإقناع ومُشبعا لحاجة المتلقّي للمعرفة ومؤثرا في السامع و الأساس في كلّ ذلك أن يكون حافظا للقرآن عارفا بالأحاديث النبوية هكذا تشغل كلّ هذه الاستعدادات والأعمال حيّزا هامّا في الحياة اليومية للمسلم

تنوع الألوان في الطيور شيئ يدعوا إلى التأمل !

ألوان الطيور

هل تستخدم الكائنات الحية اللون لغايات الحماية ضد الاعداء فقط ؟ بالتأكيد لا ! فبعض الحيوانات تحمي نفسها من البرد والحرارة عن طريق الانزيمات

ان لون الشعر الذي يغطي أجساد الحيوانات التي تعيش في المناطق الباردة تكون داكنة اللون فهذا الشعر يغطي شيئا من الساقين والأذن والأنف التي هي أكثر الأجزاء حساسية في جسم تلك الكائنات الحية

إن الشعر الداكن اللون يوفر لتلك الكائنات الحية المزيد من الطاقة الحرارية وبالتالي مساعدتها على ايجاد دفء اكبر تماما مثل البشر الذين يحاولون الاستفادة من الشمس على اكمل وجه من خلال ارتداء ملابس داكنة اللون في فصل الشتاء

ان تغير اللون شائع جدا بين الحيوانات البرية فعلى سبيل المثال فراء الثعلب في الصيف يتحول إلى اللون الأبيض وذلك لأن درجة حرارة الجسم مرتفعة في فصل الشتاء

ومع أن الطقس يصبح أكثر برودة فان درجة حرارة الجسم تنخفض حيث يتم توفير بيئة أكثر مناسبة للأنزيمات للعمل بسهولة ولهذا السبب فان فراء الثعلب في فصل الشتاء يظلم ويصبح غامقا

كذلك الأرنب والظبي الذين يعيشون عند خطوط العرض الشمالية يأخذون اللون البني في الصيف والابيض في الشتاء في حين أن بعض الطيور تصبح بيضاء تماما في أشهر الشتاء وأنها تأخذ مظهر جديد في الربيع مطابقة بذلك لون سطح الأرض والنباتات على الارض

تنبيه بخصوص الألوان

ان الكائنات الحية تستغل قضية اللون لأغراض شتى فتستخدمه كوسيلة للإنذار تارة  ولاغراض اخرى تارة اخرى...

ألوان الطيور

واحدة من أهم سمات الريش متعددة الالوان في الطيور هو أنه ناعم على البدن السبب في ذلك كي يحافظ الطائر على ريشه عبر استغلاله لقضية اللون حتى بعد تغيير ريشه فإن ريشه يعود كما كان تماما

تنوع الألوان في الطيور هي في الأساس نتيجة لوجود أصباغ في الريش والتي تم تخزينها خلال مراحل النمو الأولى للريشة وفي ضوء التحولات التي تحدث اعتمادا على الخصائص الهيكلية للريش

ان الريش المتشكل من مادة الكيراتين اذا ما أنهكته الظروف وجعلته باليا فإنه يجدد نفسه بانتظام ففي كل مرة يستعيد الطير فيها ريشه الملون كما كان أول مرة وذلك لأن الريش يستمر في النمو حتى يصل إلى كامل طوله اللازم والمناسب لجسد ذلك الطير واللون المميز ايضا والنمط كذلك

ونظرا لبنيته المختلفة فإن الريش يمكن له ان يظهر تشابها مع الوان المنشور الزجاجي إن الألوان التي تتشكل من خلال انكسار الضوء في هذه الطريقة هي أكثر إشراقا وأكثر لمعانا من تلك التي لونتها الصبغات

 إن ألوان الريش تتحول من اللون الأزرق إلى اللون الأخضر ومن البرتقالي إلى الأحمر عموما فإنه يتم تشكيل الألوان الأخضر والأزرق والمعدني اللون في الطيور من خلال انعكاس وانكسار الضوء كما ان بعضا من ألوان الريش تأتي من الصبغات كذلك

( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا
الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ) الملك 19


هنالك أساسا ثلاثة أنواع من الصبغات في الطيور أصباغ الميلانين التي تنتج الأسود والبني أو الأصفر وأصباغ الشحم التي تنتج الأحمر و الأصفر أو البرتقالي والكاروتينات


ويتم إنشاء الأزرق والأخضر وبعض الألوان الزاهية الأخرى في الطيور بواسطة فقاعات مجهرية في الكيراتين ضمن الريش الذي ينعكس الضوء فيه والريش يمتص الطيف الكامل للضوء ويعكس اللون الأزرق فقط

و من ناحية أخرى فإنه يوجد اللون الأزرق في بعض انواع الطيور

.
تنوع الألوان في الطيور

الهرمونات تلعب أيضا دورا هاما في تغيير لون الطيور ان السبب في اختلاف اللون بين الذكور والإناث في بعض الأنواع هو بسبب الهرمونات فالملونات والأشكال المختلفة لريش  الديوك والدجاج على سبيل المثال تعتمد على هرمون الاستروجين

إن ألوان الطيور هامة كي تتكيف مع بيئتها وكي تتعرف على بعضها البعض وتساعد الذكور على الزواج من الإناث في موسم التزاوج

وبالإضافة إلى ذلك فإن الأصباغ تعطي اللون للريش وتعزز قوته وتخزن الطاقة القادمة من الشمس وتمنع الأشعة فوق البنفسجية الضارة من الدخول الى الجسم

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ) النور 41

بديع الزمان سعيد النورسي الشعاع الثاني - ثمرة التوحيد الثالثة

بديع الزمان سعيد النورسي

هذه الثمرة متوجهة الى ذوي الشعور ولاسيما الى الانسان

نعم ان الانسان بسر التوحيد صاحب كمال عظيم بين جميع المخلوقات وهو أثمن ثمرات الكون وألطف المخلوقات واكملها واسعد ذوي الحياة ومخاطب رب العالمين واهلٌ ليكون خليله ومحبوبه حتى ان جميع المزايا الانسانية وجميع مقاصد الانسان العليا مرتبطة بالتوحيد وتتحقق بسر التوحيد فلولا التوحيد لأصبح الانسان اشقى المخلوقات وادنى الموجودات واضعف الحيوانات واشد ذوي المشاعر حزناً واكثرهم عذاباً وألماً ذلك لان الانسان يحمل عجزاً غير متناه وله اعداء لانهاية لهم وينطوي على فقر دائم لاحدود له وحاجات لاحدود لها ومع هذا فان ماهيته مجهزة بآلات ومشاعر متنوعة وكثيرة الى درجة يستطيع ان يستشعر بها مائة الف نوع من الآلام وينشد مئات الالوف من انواع اللذائذ فضلاً عن أن له من المقاصد والرغبات مالا يمكن تلبيتها إلاّ من قِبَل مَن ينفذ حكمه في الكون بأسره


فمثلاً في الانسان رغبة ملحة شديدة للبقاء فلا يحقق له هذه الرغبة الاّ من يتصرف في الكون كله بسهولة مطلقة يفتح باب دار الآخرة بعد ان يسد باب دار الدنيا كفتح باب منزل وغلق آخر

ففي الانسان ألوف من الرغبات الايجابية والسلبية امثال هذه الرغبة رغبة البقاء تلك الرغبات ممتدة الى جهة الابد والخلود ومنتشرة في اقطار العالم كله فالذي يُطمئن هذه الرغبات ويهدهدها ويضمد جرحي الانسان الغائرين العجز والفقر ليس الاّ الواحد الأحد الذي بيده مقاليد كل شئ

وكذا في الانسان من المطالب الدقيقة الجزئية والخفية جداً تخص راحة قلبه وسلامته وله ايضاً من المقاصد الكلية المحيطة ما هو مدار لبقاء روحه وسعادتها بحيث لايمكن ان يحققها له الاّ من يبصر ما لايُرى من أرق حجب القلب ويهتم بها ويسمع ما لا يُسمع من أخفى الاصوات ويستجيب لها ومن له القدرة على تسخير السموات والارض في وظائف جليلة كتسخير الجندي المنقاد للاوامر وكذا فان جميع اجهزة الانسان ومشاعره تأخذ مكانة رفيعة بسر التوحيد في حين تسقط الى هاوية سحيقة بالكفر والشرك

فمثلاً العقل الذي هو افضل اجهزة الانسان وارقاها ان استعمل بسر التوحيد فانه يصبح مفتاحاً ثميناً بحيث يفتح الكنوز الإلهية السامية والوفاً من خزائن الكون بينما اذا تخبط ذلك العقل في وحل الضلالة والكفر فانه يصبح آلة تعذيب ووسيلة ازعاج بما يجمع من آلام الماضي الحزينة ومخاوف المستقبل الرهيبة

ومثلاً الشفقة والحنان وهي ألطف سجية من سجايا الانسان وأحلاها إن لم يسعفها سر التوحيد تتحول الى ألم الحرقة وعذاب الفراق وجرح العطف فتتحول الى مصيبة كبرى تدفع بالانسان الى درك الشقاء نعم ان الوالدة الغافلة عن الله والفاقدة لوحيدها الى الابد تستشعر هذه الحرقة شعوراً كاملاً

ومثلاً المحبة التي هي ألذ شعور في الانسان وأطيبه وأسماه اذا ما أعانها سر التوحيد يجعل الانسان الصغير واسعاً سعة الكون وعظيماً وكبيراً كبره حتى يجعله سلطاناً محبوباً على المخلوقات كافة بينما المحبة نفسها اذا ماتردت الى الشرك والكفر والعياذ بالله  فانها تنقلب الى مصيبة عظيمة بحيث تمزق قلب الانسان الضعيف كل حين وآن بفراق أحبته غير المعدودين فراقاً ابدياً حيث يمحوهم الزوال والفناء دائماً بيد ان انواع اللهو والغفلة تحول دون استشعار الانسان بهذا الالم اذ تبطل شعوره وحسّه مؤقتاً وظاهراً

فاذا ما قست المئات من اجهزة الانسان ومشاعره على هذه الامثلة الثلاثة تدرك عندئذٍ الى اي مدى يكون التوحيد محوراً للكمالات الانسانية

نكتفي بهذه الاشارة القصيرة الى هذه الثمرة الثالثة حيث انها فصلت تفصيلاً وافياً مع دلائلها في اكثر من عشرين رسالة من مجموعة سراج النور

ان الذي اوصلني الى هذه الثمرة وساقني اليها هو الشعور الآتي

كنت يوماً على قمة جبل تراءى لي القبر بكل معناه وبدا لي الموت بكل حقائقه وظهر لي الزوال والفناء بلوحاته الحزينة المبكية وذلك بوساطة يقظة روحية بددت ظلمة الغفلة فاحتدّ عشق البقاء المغروز في فطرتي كما هو في الآخرين احتدّ غاضباً امام هذا المنظر فشق عصا الطاعة ازاء الزوال وفار ما فيّ من العطف على بني الجنس والرأفة على نوع البشر وطغى ازاء القبر وفناء الانبياء المكرمين واهل الفضل الموقرين من الاولياء والاصفياء الذين اكنّ لهم حباً شديداً وتبجيلاً عظيماً وتقديراً لائقاً وارتبط بهم بعلاقة وثيقة

وازاء هذا الامر توجهت الى الجهات الست لأستمدّ منها العون فلم اجد ما يسلّيني ابداً حيث ان جهة الماضي قد تحولت الى مقبرة كبرى واسعة وجهة المستقبل مظلم مخيف وجهة الفوق مخيفة رهيبة وجهة الاسفل وكذا اليمين والشمال كلها جهات تورث حالات أليمة حزينة فرأيت كأن الاشياء المضرة التي لا تحد تنقض عليّ انقضاضاً فأغاثني سر التوحيد من حالتي التي كنت فيها ورفع السـتار من امام بصيرتي وأراني حقيقة هذه الجهات قائلاً انظر! فنظرت اول مانظرت الى وجه الموت المخيف ورأيت ان الموت لاهل الايمان تسريح من الوظيفة والاجل هو بطاقته فالموت اذن تبديل مكان ومقدمة لحياة باقية وباب اليها وهو انطلاق

من سجن الدنيا الى بساتين الآخرة وهو انتظار زمن الوصول الى ديوان الرحمن الرحيم لاستلام اجرة العمل وهو دعوة الى دار السعادة

ولما فهمت حقيقة الموت فهماً يقيناً احببته

ثم نظرت الى الزوال والفناء ورأيت أن زوال الاشياء انما هو تجديد لها ولأمثالها فهو تجديد ممتع ملذ شبيه بتجدد مشاهد السينما وشبيه بتجدد جمال حباب النهر الجاري تحت ضوء الشمس لذا علمت يقيناً ان زوال الاشياء وفناءها انما هو تجديد للتجليات الجميلة للأسماء الحسنى  و وظيفة يؤديها ضمن سير وتجوال في عالم الشهادة بعد مجيئها من عالم الغيب وهو مظاهرحكيمة لجمال الربوبية فالموجودات تؤدي به وظيفة المرآة ازاء الحسن السرمدي

ثم نظرت الى الجهات الست ورأيت انها نورانية بسر التوحيد بل نورانية الى حد يكاد سنا نورها يخطف بالابصار حتى رأيت أن الزمان الماضي لم يعد مقبرة عظيمة بل انقلب الى المستقبل ليكون مجالس نورانية ومجامع أحباب ومناظر نورانية تزيد على الالوف

وهكذا على غرار هاتين المادتين نظرت الى الوجوه الحقيقية لالوف المواد ورأيت انها لا تورث الاّ السرور والفرح

ان شعوري هذا وتذوقي الروحي هذا في الثمرة الثالثة قد وضّحا مع الدلائل القاطعة الكلية والجزئية في مجموعة سراج النور بل في اربعين من اجزائها ولا سيما في اللمعة السادسة والعشرين رسالة الشيوخ في رجاياها الثلاث عشرة اذ قد وضّحت هناك وضوحاً كافياً لا ايضاح فوقه لذا اختصرت هذه المسألة الطويلة في هذا المقام


الشعاع الثاني - ص 19 - 21
ترجمة  احسان قاسم الصالحي


بديع الزمان سعيد النورسي بالعربية على الفيس بوك
www.facebook.com/said.nursi.arabic


التفكير العميق لدى سيدنا إبراهيم عليه السلام والتحرك ضمن خطة محكمة واضحة

سيدنا إبراهيم عليه السلام


بحثنا في المقالات السابقة من قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام لجوءه إلى العديد من الوسائل والأساليب في مخاطبة قومه عند التبليغ عن دعوته ويتضح وجود تخطيط مسبق لما قد يتعرض له أو يجابهه منهم ويخبرنا القرآن أن الأنبياء امتازوا بمزايا جسمانية وعقلية فائقة وهبها الله لهم وهيئهم لتحمل أعباء الرسالة وتبعاتها من فكر وقدوة وحكمة رصينة وعلم غزير وإدراك وبصيرة ثاقبة

وتظهر هذه الخصائص بجلاء في شخص سيدنا إبراهيم
عليه السلام وقد حمل فعلا الأمانة التي كلفه بها الله تعالى على أجمل صورة وأكمل وجه مستخدما كل ما توفرت له من إمكانات في سبيل تبليغ الرسالة إلى قومه

كان في مواجهة سيدنا إبراهيم
عليه السلام حشد من الناس وصل بهم الحال من الضيق منه إلى تهديده بالنفي أو الرجم بل والقتل والإبادة بعد أن أنكر عليهم سيدنا إبراهيم عليه السلام عبادة الأصنام التي يعبدونها من دون الله والتي كانوا يتركون عندها الطعام للتبرك به قبل أكله فقد كانوا يتركون هذا الطعام عند أصنامهم و يخرجون  إلى عيد لهم فاذا رجعوا أكلوه وفي إحدى المرات قالوا لسيدنا إبراهيم عليه السلام اخرج معنا غير إن سيدنا إبراهيم عليه السلام  نظر نظرة في النجوم متفكرًا فيما يعتذر به عن الخروج معهم إلى أعيادهم فقال لهم إني مريض وهذا تعريض منه فتركوه وراء ظهورهم

( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) الصافات 85-90

إن قيام سيدنا إبراهيم عليه السلام بإبعاد المشركين عنه يعتبر خطة ناجحة لأنه كان يعد لهم برهانا يواجههم به على سخف اعتقادهم  وعندما بقي وحيدا قام بتحطيم الأصنام ولو لم يكن قد قام بهذا الإجراء لما خلا له الجو للتحرك والتصرف مع الأوثان فهذه الخطة الدقيقة تدل على مدى عمق الإيمان لديه وشدة تعلقه بربه واندفاعه وشوقه لتنقية أفكار المشركين من الشرك وعبادة الأوثان وتبليغ رسالة ربه وقد أظهر شجاعة نادرة بتحمله كافة المخاطر ومتجاوزا المصاعب والعقبات ولم يكن ينتظر أي أفضال أو منفعة من أحد وقابل السيئة بالحسنة متوخيا بلوغ منزلة رفيعة عند ربه

 ( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) الأنبياء 52-58

قام سيدنا إبراهيم عليه السلام بتحطيم جميع تلك الأصنام  تاركا صنما واحدا فقط وعندما رأى المشركون ما حصل لآلهتهم حاولوا اتهام سيدنا إبراهيم عليه السلام ومعاقبته على ما قام به وهنا ظهرت الخطة التي كان سيدنا إبراهيم عليه السلام قد أعدها مسبقا لمواجهة الموقف

( قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) الأنبياء 59-63

هذا الجواب المفحم من سيدنا إبراهيم عليه السلام وضع القوم في موقف محرج أمام حقيقة كونهم يعبدون أصناما جامدة من أحجار وأخشاب صماء يدّعون قدرتها على التحكم في تسيير أمور الكون

( قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ) الأنبياء 62-70

وفي وقت وقعت الأصنام صاغرة وحقيرة ومتناثرة الأجزاء لم يجدوا جوابا ذلك لأن الأصنام الجامدة لم تستطع عمل أي شيء لحماية نفسها ودفع الضرر والأذى عنها وتمَّ لإبراهيم عليه السلام ما أراد من إظهار سفههم على مرأى منهم فقال محتجًا عليهم معرِّضًا بغباوتهم بل الذي كسَّرها هذا الصنم الكبير فاسألوا آلهتكم المزعومة عن ذلك إن كانت تتكلم أو تُحير جوابًا وبدا لهم ضلالهم كيف يعبدونها وهي عاجزة عن أن تدفع عن نفسها شيئًا أو أن تجيب سائلها ؟ وأقرُّوا على أنفسهم بالظلم والشرك لكن وسُرعان ما عاد إليهم عنادهم بعد إفحامهم فانقلبوا إلى الباطل واحتجُّوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم فقالوا كيف نسألها وقد علمتَ أنها لا تنطق ؟ فقال إبراهيم عليه السلام محقِّرًا لشأن الأصنام كيف تعبدون أصنامًا لا تنفع إذا عُبدت ولا تضرُّ إذا تُركت ؟  أفلا تعقلون فتدركون سوء ما أنتم عليه ؟ فلما بطلت حجتهم وظهر الحق عدلوا إلى استعمال سلطانهم وقالوا حَرِّقوا إبراهيم بالنار غضبًا لآلهتكم إن كنتم ناصرين لها فأشْعَلوا نارًا عظيمة وألقوه فيها فانتصر الله لرسوله وقال للنار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم فلم يَنَلْه فيها أذى ولم يصبه مكروه وأراد القوم بإبراهيم الهلاك فأبطل الله كيدهم وجعلهم المغلوبين الأسفلين

نعم كانت هذه حقيقة واضحة أمامهم لا يستطيعون ردها أو إنكارها ولكنهم لا يقدرون على الاعتراف بها رغم اقتناع ضمائرهم ودواخل أنفسهم وسبب هذا التعنت ذكره القرآن الكريم بـ

 ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ
 كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) النمل 14

ومما يلاحظ في دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام هو قيامه بتسفيه آراء وعقائد قومه بشكل تام قبل أن يقوم بتبليغهم برأي بديل وهذا فضل كبير من الله عندما أعطاه الحكمة البالغة وحسن الخطاب والحجة المقنعة والتي أظهرها جميعا في أساليب دعوته وقضى تماما على ما كان يتوسل به قومه من مبادئ وعقائد منحرفة بعد أن عرى حقيقتها وأظهر بطلانها

هذا الرسول الكريم الذي أرسله ربه نذيرا ومنقذا لقومه استطاع بفضل الله وعونه أن يظهر بطلان وخسران الشرك وتقديم دين الحق المبين وعقيدة التوحيد وعبادة رب العالمين المقتدر على جميع خلائقه هذه الدعوة الإلهية وما اتبعها سيدنا إبراهيم عليه السلام من وسائل التبليغ التي ذكرناها تعتبر قدوة صالحة لكل المؤمنين لأخذ الدروس منها والإقتداء بها في بيان ونشر الأخلاق القرآنية

وقد أظهر سيدنا إبراهيم عليه السلام مدى الحكمة في اتباع أسلوب تفنيد وتهوين رأي المشركين قبل البدء بتقديم الرأي البديل المستمد من الوحي الإلهي في الدعوة إلى عبادة الواحد الأحد الذي بيده ملكوت كل شيء والمحيط بكل المخلوقات التي أوجدها من العدم صاحب القدرة والجبروت والذي بفضله وإرادته إذا ما شاء ذلك يفتح قلوب البشر أمام دين الحق بيسر وسهولة
إن القرآن يذكر لنا مثالا آخر في تطبيق مبدأ إظهار الخلل في شيء ما بهدف صرف يد الظالم عنه وذلك في قصة سيدنا موسى مع الرجل الصالح الخضر وكما ورد في الآية

 ( فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ
 أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ) الكهف 71

( وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا(79) (الكهف)

كان العبد الصالح الخضر عليه السلام  قد أعطاه الله علما من لدنه وقام بخرق السفينة ليعيبها لما يتوقع أن يحصل لها في المستقبل فالرجل الصالح الخضرعليه السلام  لا يأتي منه إلا الخير والبركة بحكمة الله عز وجل فهو عندما خرق السفينة كان له من وراءه أهداف وغايات لأنه كان يعلم أن هناك ملك يأخذ كل سفينة غصبا وبذلك حاول معاونة الفتية المساكين الذين لا يملكون غير هذه السفينة ودفع عنهم ظلم الظالمين ولجأ إلى عمل عيب ظاهر في السفينة ليبعد أطماع الملك وكان تخريبه بدرجة مقبولة يمكن إصلاحها مستقبلا بيسر وسهولة واستخدامها ثانية بعد أن يكونوا قد أنقذوها من الغصب والاستيلاء

 لمزيد من التفاصيل راجعوا مقال  موسى عليه السلام والعبد الصالح الخضر الذي آتاه الله علما وحكمة

الزواحف الأكثر شهرة في عملية التمويه الحرباء

تقنيات التمويه لدى الزواحف

ما الذي تقوم به الزواحف لحماية نفسها من الحيوانات المفترسة في البر؟ واحدة من أسهل الطرق لهذه المخلوقات التي تسير بخطى بطيئة هو بالتأكيد إخفاء نفسها وأفضل طريقة هو التكيف ومحاكاة وتقليد جسم المخلوق المفترس في بيئتها إن الألوان والأنماط كثيرا ما تخدم تلك الحيوانات باعتبارها منقذا لها

فعلى سبيل المثال في الغابات فإنه يكاد يكون من المستحيل التعرف على أفعى الكركدن وهو نوع من الثعابين تعيش في الغابات المطيرة الاستوائية من أفريقيا وذلك بسبب جلدها المغطى بالأزرق والأحمر والأصفر والأبيض والأسود وانه لمن المثير للاهتمام ألوان تلك الأفعى التي تتناسب مع محيطها الذي تعيش فيه

هذه علاقة تثير بعض الأسئلة في الذهن فكيف تكون هذه الألوان تتناغم مع البيئة بشكل جيد كيف لها ان تظهر ؟ هل من الممكن لهذا أن يحدث عن طريق الصدفة ؟ أم أنه قد أنتج من قبل الزواحف نفسها ؟

بالتأكيد فإنه من غير الممكن على الإطلاق ومن المستحيل للزواحف ان تحلل بيئتها ثم تقرر ما هو نوع التغييرات التي تحتاجها وعلاوة على ذلك فإنه من غير المنطقي تماما ومن غير المعقول أن يدعي  أحد أنها قد وضعت نظاما في جسمها بنفسها لتنفيذ تلك التفاعلات الكيميائية والتي هي ضرورية لمثل هذا التغيير

حتى ان الانسان الذي يعيش مع موهبة العقل على هذه الأرض لا يمكن له تغيير لون أي جزء من جسمه ولا يمكن له تأسيس نظام في جسمه لإحداث مثل هذا التغيير و في هذه الحالة ليس هناك سوى تفسير واحد لتشابه مثالي ما بين لون ما للزواحف مع لون من محيط تلك الزواحف إلى حد أنه حتى الظلال لا تختلف على الاطلاق ان هذا التصميم من خلق الله عز وجل سخر
لكل كائن حي  أفضل الاحتياجات  على الاطلاق

الزواحف الأكثر شهرة في عملية التمويه الحرباء

هل سبق لك رؤية حرباء تغير لونها وفقا لمحيطها ؟ انه لشيء يستحق المشاهدة ان الحرباء لديها مثل هذه القدرة غير العادية على تمويه نفسها باسلوب يذهل الجميع فعلى الرغم من أن العديد من أنواع الزواحف الأخرى لديها القدرة على تغيير ألوانها فإن أيا منها غير قادر على القيام بذلك بسرعة حرباء تشاميليونز الحرباء التي تتحول للون الأحمر والأصفروالأزرق والأبيض والأهم من ذلك ما يسمى بـ الحاملات تلك الخلايا الجلدية التي ترد على الاختلافات في الحرارة والضوء

.
التمويه الحرباء

انك ان وضعت حرباء في محيط اصفر فانت سترى أن لون جسمها على الفور يتحول إلى اللون الأصفر ويتكيف مع محيطه بل أكثر من ذلك فالحرباء لا تتكيف فقط مع لون واحد ولكن أيضا إلى طبقات تحتية متعددة الالوان ان سر تحقيقها هي خلايا اللون والحرباء هي سيدة التمويه تحت طبقات الجلد كما تغير مكانها بسرعة للتكيف مع البيئة المحيطة بها

فهل يا ترى يمكن ان تكون الحرباء هي التي تقرر هذا التكيف المثالي من تلقاء نفسها ؟ كيف يمكن لهذه المخلوقات ان تميز وتمزج الكم الهائل من الالوان ببراعة مع البيئات التي تعيش فيها ؟ في حين حتى الفنان الأكثر مهارة يعمل لساعات للحصول على ما يعادل لونا طبيعيا واحدا ؟

.
الزواحف الأكثر شهرة في عملية التمويه الحرباء

من المؤكد أنه سيكون من غير المعقول أن يدعى أن الحرباء تقوم بمثل هذا العمل من تلقاء نفسها ومن المؤكد أنه ليس من الممكن للزواحف تحديد مظهرجسمها ولا وضع نظام في جسدها يقوم بتغيير مظهره ذلك سيكون مجرد من اي معنى كما أن يدعي احدهم أن هذا المخلوق لديه السيطرة على جميع الخلايا والذرات في جسمه وأنه قادر على صنع التغيير كلما رغب بذلك وبإنتاج الأصباغ المطلوبة

ان مثل هذا الإدعاء ليس له معنى فلا توجد آلية في الطبيعة لديها القدرة على إنتاج مهارة ومنحها للكائن الذي يحتاجها ان الله الذي خلق الحرباء هو الذي خلق كل شيء وتفرد في بديع فنونه في الخلق

.
 ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) النور 45



موسى عليه السلام والعبد الصالح الخضر الذي آتاه الله علما وحكمة

موسى عليه السلام والعبد الصالح الخَضِر


في سورة الكهف قصة أخرى عن موسى عليه السلام ولا يستطيع المرء من خلال مطالعته للقصة أن يحدد في أي طور من أطوار موسى جرت أحداثها لكننا نفترض أنها وقعت بعد خروج موسى من مصر ومعه قومه من بني إسرائيل وإن أبرز ما يميز هذه القصة هو الرمزية التي تسم أحداثها فجوهر القصة هو حوار وقع بين موسى عليه السلام ورجل حكيم وتبدأ القصة بخروج موسى عليه السلام في سفر ومعه فتاه أي خادمه كان يتبع موسى عليه السلام ويخدمه ويأخذ عنه العلم

 ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً ) الكهف 60-64

قال موسى لفتاه أي خادمه  سأتابع السير  حتى أصل إلى ملتقى البحرين أو أسير وقتا و زمنًا طويلا حتى أصل إلى العبد الصالح لأتعلم منه ما ليس عندي من العلم ولما وصل موسى عليه السلام مع خادمه إلى ملتقى البحرين جلسا معا عند صخرة وفي هذا المكان نسي موسى عليه السلام وخادمه حوتهما الذي أُمر موسى بأخذه معه قوتًا لهما فلما فارقا المكان عند الصخرة الذي نسيا فيه الحوت شعر موسى بالجوع  فقال لخادمه أحضر إلينا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا تعبًا 

فقال له خادمه أتذكر حين لجأنا إلى الصخرة التي استرحنا عندها؟ فإني نسيت أن أخبرك يا موسى ما كان من الحوت وما أنساني أن أذكر لك ذلك إلا الشيطان فإن الحوت الميت دبَّتْ فيه الحياة وقفز في البحر واتخذ له فيه طريقًا وكان أمره مما يُعْجَبُ منه فأجابه موسى عليه السلام بأن ما حصل هو ما كنا نرجوه فإنه علامة لي على مكان العبد الصالح فرجع موسى مع خادمه يقصان آثار مشيهما حتى انتهيا إلى الصخرة

إن في ما جرى دروسا مهمة فقول موسى (
آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً ) يرينا أن موسى قد توقف مرة واحدة للراحة ولتناول الطعام في حين يتوقع من غيره أن يتوقف مرتين مرة للراحة ومرة لتناول الطعام وفي تصرف موسى هذا إشارة إلى أن المسلم يجب أن يدبر ويدير وقته بتعقل وحكمة

أما الدرس الآخر الذي تتضمنه هذه الأحداث فهو نسيانهما طعامهما ودور الشيطان في هذا النسيان ففي الآية تأكيد لحقيقة أن الشيطان من مسببات النسيان فالشيطان مثلا ينسي الإنسان بقصد منعه من عمل شيء فيه نفع له وللمسلمين إن هدفه الأول هو صد المؤمن عن ذكر الله وليست هناك وسيلة يحتمي بها الإنسان من شرور الشيطان أفضل من الاشتغال بذكر الله

والدرس الثالث في هذا الحوار بين موسى عليه السلام وفتاه هو تنبّه موسى عليه السلام وتفطنه لآيات الله فقد فهم على الفور أن نسيانهما الطعام آية وعلامة تدل على وجوب أن يغير طريق سيره وهذا دليل على  انشغاله بذكر الله الأمر الذي جعله يؤمن إيمانا قاطعا أن كل ما يقع في الكون مقدر من قبل الله وقد أكسبت هذه الصفة موسى عليه السلام علما وحكمة وجعلته قادرا على الوصول إلى استنتاجات سليمة بمراقبة ما يجري حوله

لقد رأى موسى وفتاه في نسيانهما علامة دفعتهما إلى تغيير خط سيرهما وقفلا راجعين وبعد حين لقي موسى موسى عليه السلام رجلا معينا و لم يشر القرآن إلى اسم هذا الرجل ذي الحكمة الواسعة لكن الآثار قد عرفته بأنه الخضر ورغم الاستعداد الذي أبداه موسى للتعلم من الرجل إلا أن الأخير صارحه بأنه أي موسى عليه السلام لن يستطيع معه صبرا وأحداث القصة كما سردها القرآن كما يلي

( فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً )  الكهف 65-82

فبعدما إلتقى موسى عليه السلام  بالرجل الصالح الخضر سلَّم عليه موسى وقال له أتأذن لي أن أتبعك لتعلمني من العلم الذي علمك الله إياه ما أسترشد به وأنتفع  قال له الخَضِر إنك يا موسى لن تطيق أن تصبر على اتباعي وملازمتي وكيف لك الصبر على ما سأفعله من أمور تخفى عليك مما علمنيه الله تعالى؟ قال له موسى ستجدني إن شاء الله صابرًا على ما أراه منك ولا أخالف لك أمرًا تأمرني به

وافق الخَضِر وقال له فإنْ صاحَبتني فلا تسألني عن شيء تنكره حتى أبيِّن لك من أمره ما خفي عليك دون سؤال منك فانطلقا يمشيان على الساحل فمرت بهما سفينة فطلبا من أهلها أن يركبا معهم فلما ركبا قَلَعَ الخَضِر لوحًا من السفينة فخرقها فقال له موسى أَخَرَقْتَ السفينة لتُغرِق أهلَها وقد حملونا بغير أجر؟ لقد فعلت أمرًا منكرًا

قال له الخَضِر لقد قلت لك من أول الأمر إنك لن تستطيع الصبر على صحبتي قال موسى معتذرًا لا تؤاخذني بنسياني شرطك عليَّ ولا تكلفني مشقةً في تعلُّمي منك وعاملني بيسر ورفق فقبل الخَضِر عذره ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصرا غلامًا يلعب مع الغلمان فقتله الخَضِر فأنكر موسى عليه وقال كيف قتلت نفسًا طاهرة لم تبلغ حدَّ التكليف ولم تقتل نفسًا حتى تستحق القتل بها ؟ لقد فَعَلْتَ أمرًا منكرًا عظيمًا

قال الخَضِر لموسى معاتبًا ومذكرًا ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا على ما ترى من أفعالي مما لم تحط به خُبْرًا ؟ قال موسى له إن سألتك عن شيء بعد هذه المرة فاتركني ولا تصاحبني قد بلغتَ العذر في شأني ولم تقصر حيث أخبرتَني أني لن أستطيع معك صبرًا

فذهب موسى والخَضِر حتى أتيا أهل قرية فطلبا منهم طعامًا على سبيل الضيافة فامتنع أهل القرية عن ضيافتهما فوجدا فيها حائطًا مائلا يوشك أن يسقط فعدَّل الخَضِر مَيْلَه حتى صار مستويًا فقال له موسى لو شئت لأخذت على هذا العمل أجرًا تصرفه في تحصيل طعامنا حيث لم يضيفونا

قال الخَضِر لموسى هذا وقت الفراق بيني وبينك سأخبرك بما أنكرت عليَّ من أفعالي التي فعلتها والتي لم تستطع صبرًا على ترك السؤال عنها والإنكار عليَّ فيها أما السفينة التي خرقتها فإنها كانت لأناس مساكين يعملون في البحر عليها سعيًا وراء الرزق فأردت أن أعيبها بذلك الخرق لأن أمامهم ملكًا يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا من أصحابها

وأما الغلام الذي قتلته فكان في علم الله طاغيا وكافرا وكان أبوه وأمه مؤمِنَيْن فخشينا لو بقي الغلام حيًا لَحمل والديه على الكفر والطغيان لأجل محبتهما إياه أو للحاجة إليه فأردنا أن يُبْدِل الله أبويه بمن هو خير منه صلاحًا ودينًا وبرًا بهما

وأما الحائط الذي عدَّلتُ مَيْلَه حتى استوى فإنه كان لغلامين يتيمين في القرية التي فيها الجدار وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما رجلا صالحًا فأراد ربك أن يكبَرا ويبلغا قوتهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك بهما وما فعلتُ يا موسى جميع الذي رأيتَني فعلتُه عن أمري ومن تلقاء نفسي وإنما فعلته عن أمر الله ذلك الذي بَيَّنْتُ لك أسبابه هو عاقبة الأمور التي لم تستطع صبرًا على ترك السؤال عنها والإنكار عليَّ فيها

تفيدنا هذه الأحداث أن المصائب والأزمات قد يكون وراءها خير وفرج يسوقه الله للناس إن إغراق سفينة دون سبب ظاهر وقتل طفل برئ لم يرتكب أي جرم قد تبدو أعمالا شريرة إذا نظرنا إليها دون فهم كاف لكن الله ينبئنا أن وراء هذه الأفعال الشريرة ظاهرا حكمة قدرها الله لكنها حكمة مستترة أو لا يمكن إدراكها على الفور ومن الواضح أن جميع الأحداث التي تضمنتها هذه القصة لها مدلولات خفية فهي لم تكن أحداثا عادية بل خُصّ بها رجل فاضل بعينه اختاره الله سبحانه وتعالى

ينبغي للعباد أن يتفكروا في الحسنات المستكنة في كل السيئات التي تصيبهم في مجرى حياتهم اليومية ولا شك أن ثمة تقديرا وحكمة إلهية وراء الأحداث التي تقع اليوم والتي ظاهرها الشر والتي يعلق عليها أكثر الناس بقولهم لماذا تحل كل هذه الكوارث ببني الإنسان فإن صبر الإنسان وأخلص واجتهد في استبصاره للحكمة الإلهية المستكنة في هذه الأحداث فسيمن الله عليه بإدراك ما وراءها من معان خفية

تكتيك الألوان والتمويه لدى الكائنات الحية

التمويه لدى الكائنات الحية

كما أن الألوان مهمة للبشر كي يستشعروا محيطهم فإن الكائنات الحية الاخرى لا تستغني عنها كذلك من اجل البقاء فالكائنات الحية لديها قانون لغة اللون الذي يعمل وفقا للضوء ونظم الإدراك التي تمتلكها

ان الألوان المختلفة تحمل معاني مختلفة لكل كائن حي من أجل البقاء على قيد الحياة فكل كائن حي لديه معرفة بلغة الألوان المستخدمة في بيئته وذلك لأن الوظائف الحيوية لا يمكن  السيطرة عليها إلا بالتعرف على هذه اللغة اذا فكيف  تستخدم الكائنات الحية هذه اللغة ؟

أولا غالبية الكائنات الحية بحاجة إلى الالوان كمساعد للعثور على الطعام
ثانيا الألوان التي توجد على اجزاء الكائنات مثل الجلد والفراء وغيره تلعب دورا هاما في استمرارية الحياة نظرا لخصائصها في امتصاص الحرارة أو نشرها وبالإضافة إلى ذلك فإن الكائنات الحية تستخدم الالوان لحماية أنفسها من الاعداء فبسبب هذه الألوان التي تنسجم مع بيئتها يمكن لها تمويه وإخفاء نفسها عن الأعداء بدلا من أن تشكل الالوان والزخرفة صورة مشجعة لأعدائها

الألوان أيضا تساعد الحيوانات على التعرف بأقرانهم  فأم
الكتاكيت مثلا تفهم فراخها أهي بحاجة إلى الطعام أو ليست بحاجة وبالمثل يدرك الفرخ أمه بهذه الطريقة ويفهم أن الطعام قد وصل ام لا فهذه الكائنات الحية تحتاج إلى معرفة معاني الألوان من أجل البقاء على قيد الحياة ومن أجل تحقيق هذه المعرفة بشكل صحيح فإنها تحتاج إلى امتلاك أنظمة سليمة للإدراك

إذا لم يكن لديها تلك الأنظمة فإنها لن تكون قادرة على إدراك البيئة المحيطة بها بشكل صحيح أو القيام بأنشطتها الحيوية ولن تكون قادرة على التعرف على الطعام أو تمييز الاعداء لذلك وفي هذه الحالة الأخيرة فإنها تتجنب العالم الخارجي كي لا تكون فريسة سهلة محكوم عليها بالموت

بالتأكيد لا يمكن لأحد أن يدعي أن هذه الأنظمة المذهلة قد تأتي إلى حيز الوجود عن طريق الصدفة إذ يجب إنشاء كل نظام بانسجام كل تصميم كل برنامج كل خطة كل ميزان من قبل مصمم ما ومن المؤكد أن هناك خالق خلق هذا الانسجام في الكائنات الحية والبيئة التي تعيش فيها

خالق هذا النظام المذهل هو الله رب العالمين الذي يمكننا من دراسة الكائنات الحية كي نرى مهارة توظيف لغة الألوان

التمويه

التمويه هو أحد التكتيكات الدفاعية الأكثر فعالية المستخدمة من قبل الحيوانات هذه الحيوانات تموه على نفسها بداعي حماية نفسها في انسجام كبير مع البيئة المحيطة بها حتى تصبح متناغمة حقا مع بيئتها التي يكاد يكون من المستحيل معرفة ما إذا كانت تلك نباتات أو حيوانات وذلك من شدة التمويه المستخدم

المخلوقات الحية التي تتكيف مع الالوان وفقا للبيئة التي تعيش فيها قد جذبت دائما انتباه العلماء ويتزكز البحث على إيجاد جواب لسؤال هو كيف يمكن لكائن حي أن يبدو بالضبط كشيء ما موضوع في نفس البيئة ولكن من طينة مختلفة

هل فكرت على مثلا كيف يمكن لضفدع وهو الذي يقف على ورقة في حديقة ما نتمشى بها ثم ما نلبث أن نتجنب الدوس عليه في آخر لحظة نخطو فيها ؟ فكيف تمتلك الضفادع هذه الأنماط والألوان ؟ إن التمويه هو آلية دفاعية مهمة جدا للضفدع ذلك الضفدع الذي يتخلص من أعدائه بسهولة في بيئته

في حين أن العنكبوت وردي اللون على زهرة وردية يمكن أن يحول لونه بنجاح على ظلال زهرة مختلفة عن اللون الوردي كما يمكن لنوع آخر من أنواع العناكب التكيف مع لون من زهرة أخرى كالزهرةالصفراء عندما يقف عليها

وبينما يكون شخص ما يدقق في فرع على شجرة وبينما هو مستغرق بالتفكير بأنه ليس هنالك شيء على ذلك الفرع وإذا بفراشة تطير بعيدا عن ذلك الفرع فجأة نعم إنها فراشة تلك التي بدت تماما مثل ورقة جافة ذابلة كألوان ورق الخريف فقط قبل ثوان انه لمثال معبر لمعجزة التمويه

التمويه لدى الكائنات الحية

 فمن الواضح جدا أن هذه المخلوقات تموه نفسها بطريقة تجعل من نفسها تبدو كالأوراق والفروع أو الزهور لا بل أكثر من ذلك فهي ليست على علم حتى أنها محمية بسبب هذه التشابهات ومع ذلك فانها توظف التمويه بمهارة عالية جدا

فحشرة لها نفس لون زهرة ما وثعبان لا يزال قائما على فرع شجرة بنفس اللون وضفدع قد تكيف مع لون الأرض الرطبة وباختصار فإن كل المخلوقات تقوم بالتمويه على نفسها دليل يثبت أن التمويه هو تكتيك دفاعي محض قد خلق لذلك الغرض

لا يمكن لمخلوق حي ان يؤدي هذه المهمة من تلقاء نفسه أو عن طريق الصدفة وبالتأكيد انها لنعمة وهبت للكائنات الحية القدرة على التمويه إن الذي وضع العمليات الكيميائية في تلك الحيوانات التي يمكن لها من خلالها تنفيذ هذه التغييرات على جلودها وألونها هو الله العليم الحكيم